تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١٢١ - مراحل تطوّر الأدب في النجف
و التوجيه، فالأديب أخذ يشعر بشعور الوقت و متطلّبات الزمن و يفيض في هذا الدور و طنيّة و حماسا و فتوّة و بطولة.
و بعد ما كانت النجف تنبذ من وصم بالشعر أصبحت بفضل هذه المعركة تعرف بأنّها تخلق الشعراء، بل استطاع بعض الأمّيّين و الكسبة في النجف ممّن رزقه اللّه القريحة القويمة و السليقة المستقيمة أن يلحق بركب الشعراء، نتيجة لاحتكاكه بهم و معاشرته لهم، و من هؤلاء:
الشيخ محمد النقّاش المتوفى سنة ١٢٩٥ هـ، و قد أصبح مرموقا بين أعلام الأدب مع كونه أميّا لم ينل أي حظ من العربية و الدرس سوى ما كان يسمعه من جلاّسه الفضلاء الذين يحوطونه كلّ يوم في إيوانه في طرف القبلة من الصحن الشريف ينقش الخواتيم لأربابها ليتعيش من هذا الكسب.
و الشيخ علي شرارة الكتبي الذي كان حيّا سنة ١٣٣٥ هـ، فقد كان شبه أمّي لكنّه استطاع أن يكون من الأدباء المعروفين باستماعه لحديث الحبّوبي و الحلّي و الطباطبائي و الشبيبي و أمثالهم ممّن يجلسون معه كلّ يوم و ليلة.
و الشيخ عبّود بن الشيخ سالم الطريحي المتوفى سنة ١٣٢٨ هـ، و هو أديب ظريف، و فكه معروف، كان مشغولا بالتكسّب إلاّ أنّه كان يتّصل بمجموعة من أدباء النجف و أهل الفضل حتى عدّ منهم، من شعره:
كساد السوق أنحلني و حالي # كحال الميت في ضيق اللحود
و على قاعدة: "إنّ الأديب يدرس من أدبه"، فإنّ ضياع الكثير من الآثار الأدبية و دواوين شعراء النجف أدّى إلى عدم معرفة المكانة الأدبية لهؤلاء، و بالتالي ساهم في عدم وضوح الحركة الأدبية في مراحل من مسيرتها. و كان ضياع دواوينهم لأسباب عديدة: فمنهم من ذهب شعره في الطواعين التي مرّت بالنجف، أو بسبب الأنظمة الجائرة و حوادث النزاع الداخلي، أو في التنقّل و عدم الاستقرار في مكان معيّن،