بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢ - أقسام التواتر
أصلًا لا مطابقة و لا تضمناً و لا التزاماً، بل مداليل هذه الروايات مختلفة متغايرة و إن كان يجمعها منظور عال جداً، و نفرض أنّ كل واحدة من هذه المائة مفادها حكم إلزامي لا ربط له بالآخر، فهنا هل يحصل العلم الإجمالي بثبوت جامع الحكم، و هو الوجوب مثلًا، بحيث يجب الاحتياط من باب أنّ بعض هؤلاء صادقون؟.
قد يُقال بحصول هذا العلم، و ذلك بحساب الاحتمالات، لأنّ احتمال كذبهم جميعاً عبارة عن ضرب نصف في نصف إلى (مائة مرّة) بناءً على أنّ قيمة كل خبر نصف، فينتج احتمالًا ضعيفاً جداً بحيث إنّه يزول، فيحصل علم إجمالي بنقيض السالبة الكلية، و هي الموجبة الجزئية، أي إنّه يحصل علم إجمالي (ما) بجامع الوجوب.
و لو أنّه تمّ هذا لكان معناه أنّ التواتر لا يشترط فيه وحدة المصب، و هذا مطلب غريب، لأنّ العلماء اشترطوا وحدة المصب في التواتر، لكن إجراء حساب الاحتمالات بهذا الترتيب ينتج أنّ (المائة شاهد و مخبر) مع أنّ مصب شهاداتهم ليس واحداً، مع هذا يحصل التواتر، و هذا غريب.
و حلّ هذه الشبهة هو أنّه نحن عندنا في المقام علم إجمالي، و هو العلم الإجمالي بأنّه يوجد (مائة رواية) كاذبة من مجموع (الروايات المائة ألف)، إلّا أنّ هذه (المائة) غير معلومة، إذ لعلّها هذه المائة، و لعلّها تلك (المائة الثانية) أو الثالثة و هكذا، و حينئذٍ، أطراف العلم الإجمالي يبلغ الملايين.
حينئذٍ أيّ (مائة) أخذناها، فهذه (المائة) نحتمل أنّها هي المعلوم بهذا العلم الإجمالي، لكنّه احتمال ضعيف جداً باعتبار كثرة أطراف العلم الإجمالي، لكن ضعف هذا الاحتمال لا يوجب زواله، و ذلك لأنّ هذا الضعف في هذه (المائة رواية) له منشآن.