بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٢ - المقدمة الأولى هي أننا نعلم إجمالًا بثبوت تكاليف في الشريعة الإسلامية
البيان الأول: هو أن يدّعى انحلال هذا العلم الإجمالي الكبير في مجموع الشبهات، بعلم إجمالي في حدود الأمارات التي تدل على الحكم الشرعي، بحيث يستثنى من ذلك الشبهات البحتة المجردة عن الخبر أو الشهرة أو الأمارة على التكليف، و هذا العلم الإجمالي الثاني، لا إشكال في أنّه موجود أيضاً، إذ لو لاحظنا مجموع موارد الأمارات في الفقه، نعلم إجمالًا بمصادفة جملة منها للواقع و بالتالي نعلم بالتكاليف الشرعية فيما بينها، و حينئذٍ، نلاحظ أنّ المعلوم بهذا العلم إذا كان لا يقل عن المعلوم بالعلم الأول، إذا فينحل العلم الأول بهذا العلم.
و هذا النحو من الانحلال صحيح، و قد قبلناه سابقاً في بحث الدليل العقلي الذي استدل به على حجية خبر الواحد، حيث قلنا هناك: إنّه لا موجب لافتراض أنّ المعلوم بالإجمال بالعلم الكبير أكبر عدداً مما يعلم إجمالًا ثبوته في دائرة مجموع الأمارات، لا من ناحية برهانه اللمي، و هو مسألة الاعتقاد بوجود دين، و الدين يقتضي وجود حلال و حرام، إذ إنّ هذا لا يستلزم وجود حرام أكثر مما هو معلوم في دائرة الأمارات، إنّ هذا المقدار المعلوم في دائرة الأمارات، يكفي لإشباع حاجة الدين إلى التشريع و لا من ناحية البرهان الإني الذي هو تجميع الأمارات، فإن هذا بحسب الحقيقة هو مدرك العلم الإجمالي الثاني، فلا يمكن أن ينتج للعلم الإجمالي الأول معلوماً أكبر مما ينتجه للمعلوم الإجمالي الثاني، و حينئذٍ، لا يكون الاحتياط في أطراف هذا العلم موجباً للعسر و الحرج، و بهذا يتضح أنّ العلم الإجمالي الكبير الذي يتسلح به الانسدادي، ينحل بهذا العلم الإجمالي الأضيق دائرة.
و من الواضح أنّ هذا لا يفي بغرض الانسدادي، إذ لعل الاحتياط حينئذٍ في أطرافه لا يوجب عسراً و لا حرجاً.