بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣ - حجية الخبر
مما يضعف احتمال تلك الافتراضات لعدم كونها افتراضات متلازمة، فإذا افترضنا أنّ كل قضية احتمالها النصف، إذاً سوف يكون احتمال أن يكون إخبار تمام العشرة لوجود مصلحة، يكون هذا الاحتمال بقدر ما ينتج من ضرب كل نصف بالآخر إلى تمام العشرة، و ضرب كل نصف هكذا، يصل إلى درجة ضئيلة من الاحتمال بحيث لا تكاد ترى، و روح هذا تشكيل علم إجمالي، و نفرض هذا في إخبار مخبرين، حينئذٍ يتشكل علم إجمالي بأنه إما أنّ هذين المخبرين لهما مصلحة معاً في هذه الأخبار، أو أنهما معاً ليست لهما مصلحة، أو أنّ أحدهما دون الآخر له مصلحة، فهذه أربعة احتمالات، فإذا لم نجد مرجحاً لواحد من هذه الاحتمالات من الخارج، إذاً، سوف يتوزع رقم اليقين على الأربعة بنحو متساوي، و ثلاثة من هذه الاحتمالات تثبت صدق القضية، و يبقى واحد حيادي كما عرفت سابقاً، فثلاثة أرباع و نصف الربع الباقي الحيادي يكون من صالح إثبات واقعية القضية، لأنّ الربع الأخير لا بشرط بالنسبة لواقعية القضية، و هكذا كلّما تعددت الاحتمالات، بأن كانت أكثر من أربعة حتى نصل إلى درجة اليقين، و بهذا نكون قد استنبطنا الدرجة العليا من الاحتمال للقضية المتواترة استنباطاً رياضياً من نفس قواعد العلم الإجمالي.
نعم وصوله إلى اليقين ليس رياضياً و استنباطياً و قياسياً، و إنما هو بمقتضى ما تفضل الله تعالى به من العقل و الضابط الذاتي بنحو جعله لا يحتفظ بالكسور الضئيلة و الأصول البسيطة لهذه القضايا، و إلّا لأصبح الإنسان مجنوناً لا يمكنه التعايش مع من حوله حيث لا يمكنه أن يقطع بشيء مطلقاً [١].
[١] () للتوسعة راجع الأسس المنطقية للمرحلة الذاتية من الاستقراء.