بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٣ - الوجه الثاني ممّا استُدل به على عدم الحجية هو السُنّة،
و كذلك الحال في الروايات التي اقتصرت على عنوان الموافقة، و توصيف ما لم يوافق الكتاب بأنّه (زخرف) [١] مثلًا، فإنّ الظاهر من التعبير بعدم موافقة الكتاب و هو السلب بانتفاء المحمول، أي أن توجد في الكتاب آية في بيان حكم مورد هذا الحديث و لا يوافقها هذا الحديث، لا السلب بانتفاء الموضوع.
و هذا ظهور يتّفق كثيراً في الأعدام المضافة إلى جملة من العناوين، و إن شئت فعبّر عنه بالظهور في العدم المقابل للملكة، دون العدم بانتفاء الموضوع، فقولنا: فلان ليس ببصير، أو ليس بأعمى، ظاهر في أنّ من شأنه أن يكون بصيراً أو أعمى، لكنّه ليس ببصير، أو ليس بأعمى، لا أنّه كالجدار، لا موضوع فيه للبصر، أو للعمى.
إذاً لا يبقى ما يدلّ على أنّ المقياس هو الموافقة، عدا لسان واحد، هو، (إذا ورد عليكم حديث، فوجدتم له شاهداً من كتاب الله، أو من قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به) [٢].
و قد مضى أنّنا لا نحتاج في مقام إثبات الردع إلى السنّة المتواترة، بل يكفي خبر واحد مشمول للسيرة العقلائية في نفسه، و هذا اللسان وارد في رواية ابن أبي يعفور من قبل أناس كلهم ثقاة، فهو مشمول للسيرة العقلائية، رادع عن باقي الأخبار غير الموافقة للكتاب الكريم.
و هذا غاية ما يمكن أن يُنتصر به للاستدلال بما ورد من الإرجاع إلى موافقة الكتاب، على سقوط ما لا يوافق الكتاب، رغم عدم المخالفة أيضاً عن الحجية بعد تصفية روايات الباب، بحيث لم يبقَ منها عدا هذه الرواية.
[١] () الوسائل: ج ١٨ باب ٩ من صفات القاضي ح ١٢ و ١٤، ص ٧٨- ٧٩
[٢] () الوسائل: ج ١٨ باب ٩ من صفات القاضي ح ١١، ص ٧٨.