بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٤ - الوجه الأوّل الكتاب الكريم
لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* فإنّ هذه الآية وردت في سياق التنديد بالكفار الّذين يعولون في تحصيل معتقداتهم على الظنون، فاستنكرت الآية ذلك منهم، فوردوها في مقام تعليل هذا الاستنكار يكون قرينة على أنّ المقصود منها سنخ قاعدة عقليّة أو عقلائية مفروغ عن صحتها في نفسها، و ليس المقصود بها قاعدة شرعيّة و هي حرمة العمل بالظن شرعاً، إذ من الواضح أنّ هذه الكبرى لو كانت شرعيّة، فهذا لا يناسب مقام الخصومة مع الكفار و الإشكال عليهم، لأنّهم ليسوا في مقام جعل الحجية من الشارع، و إنّما مقامهم يُناسب أن يكون الاعتماد في مقام الإشكال عليهم على كبرى عقلية أو عقلائية مفروغ عن صحّتها، و من الواضح أنّ ما هو كذلك هو الكبرى التي ذكرناها، و هي أنّه لا يمكن التعويل على الظن بما هو ظنّ، فكأنّ الشارع يريد أن يقول لهم: إنّكم في معتقداتكم تعوّلون على الظن و ليس بأيديكم غير هذا و لا دليل لكم على حجيته، فبهذه القرينة يرجع الكلام إلى نفس ما أشرنا إليه في الآية الأولى، هذا مضافاً إلى أنّه يمكن القول بأنّ قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*، ليس مفاده النهي عن اتّباع الظن، بل مفاده بيان صغرى مع السكوت عن كبراها، و هذه الصغرى هي، أنّ الظن لا يغني في مقام التوصل إلى الواقع، لأنّه كثيراً ما يخطئ، فهو لا يغني في هذا المقام، و هذه الصغرى تحتاج لضمّ كبرى و هي، أنّ المطلوب هو التوصّل إلى الواقع، و هذه الكبرى قد سكت عنها و لم تبيّن، و هي واضحة بالنسبة لأصول الدين، فإنّ المطلوب هو الوصول إلى لب الواقع، فبضم هذه الكبرى إلى الصغرى يثبت النهي عن التعويل على الظن في أصول الدين، و أمّا في فروع الدين فلا يمكن اقتناص النهي من هذه الآية، لا هي وحدها و لا بضم الكبرى.
أمّا وحدها، فلأنّها لا تبيّن إلّا الصغرى كما عرفت، و أمّا