بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٤ - تحديد دائرة الحجية
و إن لم نستظهر ذلك، إمّا لكون الدليل مجملًا، أو لاستظهارنا المعنى الآخر، فإنّه حينئذٍ لا يمكن التمسك بإطلاق دليل الحجية لإثبات حجية خبر مطلق الثقة، و معه: لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن، و هو حجية خبر العادل من الثقات، حيث عرفت أنّ منطوق الآية مجمل فيكون مفهوماً مجملًا أيضاً.
و إذا بنينا على أنّ دليل حجية خبر الواحد إنّما هو السنة و السيرة، فحينئذٍ لا يمكن إثبات حجية خبر الفاسق الإخباري، بل يخرج عن موضوع الحجية، فإنّ المركوز في سيرة العقلاء عدم حجية خبر من يكذب فضلًا عمّن يكون ذلك عادة له، مضافاً إلى أنّه لو فرض وجود هكذا اتجاه عندهم لكفى في الردع عنه آية النبأ، المدعّمة بكثير من الأخبار الواردة في التحذير من الاعتماد على خبر أي كان كالوضاعين و الكذابين.
كما أن سيرة المتشرعة منعقد على العمل بخصوص أخبار الثقاة، إذ لا يمكن دعوى انعقادها على العمل بأخبار غير الثقات.
و التقريب المتقدم لكيفية الاستدلال بالسيرة المتشرعية من أنّه يمكن القول بأنّهم لم يسألوا عن حجيتها، لارتكازية عدم الحجية فيها، أو أنّهم سألوا و أجيبوا بعدم الحجية كتاباً و سنة، هذا التقريب لا يتم إلّا في حق خبر الثقة فقط المؤيد بالمقتضى العقلائي للعمل به.
و أمّا السنة اللفظية بناء على تواترها فإنّ العناوين المأخوذة في عمدتها هو عنوان (الثقة)، كما في الصحيح: (أ يونس بن عبد الرحمن ثقة أخذ عنه إلخ) و قوله (ع) في الصحيح الآخر، (العمري و ابنه ثقتان)، و هذه لا تنطبق إلّا على خصوص الثقة من الرواة، و على أيّ حال، فإن أخبار الثقات هو القدر المتيقن منها.