بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٦ - تحديد دائرة الحجية
و هكذا: فإنّه بأحد هذين الطريقين، أو بهما معاً يمكن إثبات كفاية (الوثاقة) وحدها، لتكون ملاكاً للحجية.
يبقى بعد ذلك أمور لا بد من التعرض لها.
الأمر الأول: هو أنّ خبر الثقة لو زوحم بأمارة أقوى و أهم من وثاقة الراوي في الأمارية، فهل يكون مشمولًا لإطلاق دليل الحجية أيضاً أم لا؟
الصحيح أنّ إطلاق دليل الحجية لا يشمل مثل هذا الخبر، و ذلك لأنّ الوثاقة التي هي ملاك الحجية تكون بحسب الارتكاز العقلائي، و ظهور الدليل و السنة اللفظية المحمولة على الارتكازات العقلائية ملحوظة باعتبار كاشفيتها النوعية عن صدق الراوي و مقربيتها نحو الواقع، و من هنا، إذا ابتليت بمزاحم أقوى بحيث كان هو المقرّب نحو الواقع في نظر العقلاء، حينئذٍ، يكون هذا موجباً لوهن احتمال صحة النقل، و حينئذٍ، لم يعد مشمولًا للسيرة العقلائية، و كذلك لا يتم فيه التقريب المتقدم للاستدلال بسيرة المتشرعة، كما أنّ الدليل اللفظي ينصرف عنه، و لا دليل آخر يدل على أنّ أصحاب الأئمة عملوا بعد ذلك بمثل هذه الرواية، لأنّ العقلاء بعد عدم عملهم بها بحسب طبعهم، حينئذٍ، إثبات عمل الأصحاب بها، باعتبارهم عقلاء.
و من مصاديق تلك الأدلة التي تزاحم خبر الثقة، المسألة المعروفة بإعراض المشهور عن خبر الصحيح، فإنّه يوجب سقوطه عن الحجية إذا لم يكن إعراضاً اجتهادياً منشؤه إعمال قواعد التعارض مثلًا، فإذا كانت الرواية المعرض عنها صحيحة سنداً و واضحة دلالة، و مذكورة في كتب مشايخ الرواية عندنا، و ليس لها معارض، و مع هذا أعرض عنها المشهور، حينئذٍ يكون إعراضهم عن العمل بها مع كونها واجدة لأسباب الوثاقة، لا وجه له إلّا اطلاعهم على نكات اقتضت منهم