بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٥ - الاستدلال بآية الكتمان
و هذا الإيراد غير تام عرفاً، فإنّ الكتمان و إن كان هو الإخفاء، لكن هو الإخفاء النسبي في مقابل الإبراز من ناحيته، لا في مقابل أن يفرض توفر مقتضيات الوضوح في نفسه، فالشخص الذي لا يكون قوله مفيداً للعلم، لعدم وثاقته، فقد يصدق عليه أيضاً أنّه أخفى الشيء و كتمه، مع أنّه لو أخبر به لم يحصل العلم للسامع، و ذلك لأنّه إخفاء لذلك و لو بالنسبة، أي بقدر ما يرجع إليه أنّه قد أخفى و كتم، إذاً فليس مفهوم الكتمان متقوماً بكون القضية في طريقها حتماً إلى البروز و المعلومية، بل الكتمان إخفاء من ناحية أي مقدار كان يترتب عليه من الوضوح، فهذا يختلف باختلاف وثاقته و نحوها.
و هناك اعتراضات عديدة ترد على الاستدلال بالآية، نذكر جملة منها.
الاعتراض الأول: هو ما أشرنا إليه في جواب نظير هذا الاستدلال في آية النفر، حيث أنكرنا الملازمة بين وجوب الإنذار مطلقاً و وجوب الحذر.
كذلك هنا، فإنّه لا يلزم من تحريم الكتمان على الإطلاق، إيجاب القبول على الإطلاق، بل لعلّ القبول لا يجب إلّا مع العلم، لكن مع هذا حرّم الكتمان على الإطلاق تحفظاً على غرضه الواقعي كما عرفت.
الاعتراض الثاني: هو أنّه من المحتمل أن يكون التحريم هنا نفسيّاً لا طريقياً، و ذلك لما أشرنا إليه من أنّ الكتمان ليس مجرد عدم الإخبار، بل هو تعمد إخفاء الحقيقة بمقدار ما يرجع للمكلف، و هذا التعمد كأنّه نحو معاندة للدّين، فيكون بنفسه من المحرمات، و مع إبداء احتمال الحرمة النفسية لا معنى لافتراض تصحيحه بوجوب القبول، إذ