بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٨ - المقدمة الثالثة و هي أنّه لا يجوز إهمال التكاليف الواقعية
الاضطرار إلى المعين في طول افتراض أنّ العلم الإجمالي منجز، و لا يعقل أن يكون مثل هذا مانعاً عن تنجيز العلم الإجمالي.
و إنّما الذي يصلح أن يكون مانعاً عنه هو أن يحصل اضطرار إلى المعين بقطع النظر عن تنجيز العلم الإجمالي، كما لو علم بنجاسة شراب أو طعام و كان مضطراً إلى الشراب من شدة عطشه، فهذا اضطرار إلى المعين بقطع النظر عن العلم الإجمالي.
و هنا لو قطعنا النظر عن منجزية العلم الإجمالي فالاضطرار ليس إلى المعين، بل هو اضطرار تنجيزي، لأنّ العسر و الحرج كما يرتفع بهذه الفئة من الشبهات، هو أيضاً يرتفع بهذه الفئة من الشبهات.
و الحاصل هو أنّ هذا التعيين بحكم العقل إنّما يكون في طول تنجيز العلم الإجمالي، إذاً فلا يعقل أن يكون مانعاً عن تنجيزه، إذ لو قطعنا النظر عن منجزيته، فالاضطرار يكون إلى غير المعين، و إنّما يأتي التعيين في طول الفراغ عن منجزية هذا العلم، و لزوم الخروج عن عهدته.
فليته كان قد تصور الاضطرار إلى المعيّن في دائرة الموهومات بوجه آخر أتقن من هذا البيان، و ذلك بأن يقال: إنّ الاضطرار هنا نشأ من عسرية الاحتياط، و الاحتياط إنّما يكون عسيراً في الموهومات لا في المظنونات، لأنّ باب الوهم و التوهم و الاحتمال واسع، إذ ربّما يتوهّم أو يحتمل التكليف في جزئيات الأمور الحياتية الخارجية الصغيرة التي هي في نفسها لا يمكن الاحتياط فيها، إذاً، فمن أول الأمر ندّعي أنّ العسر منصب على الشبهات الموهومة، و هذه قضية خارجية مردها إلى ملاحظة مظنونات الفقيه و موهوماته، فإنّنا بالوجدان نرى أنّ ما يُظن بحرمته في الفقه لا عسر في اجتنابه، فإنّ مظنونات الحرمة في الفقه هي تلك الأفعال التي تكون الرواية على حرمته غير متواترة، أو أنّ ما قام على حرمته كان من قبيل الشهرة و غيرها من مناشئ الظن