بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٥ - الوجه الأوّل الكتاب الكريم
الكبرى، و هي وجوب الوصول إلى لب الواقع، فهذه غير ثابتة لا بنصّ الآية، و لا بالوضوح الخارجي، وعليه: فلا يمكن استنتاج النهي من هذه الآية إلّا بالنسبة لمورد تكون الكبرى واضحة و تامة الدلالة فيه، و هي إنّما تكون واضحة التماميّة في أصول الدين دون فروعه، وعليه: فالاستدلال بالآيتين غير تام.
و الحاصل هو أنّه استُدل على عدم حجية الظن بالكتاب و السُّنّة و الإجماع.
أمّا الكتاب، فبآيات أهمها اثنتان، أولاهما قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ و ثانيتهما قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* و ذلك بتقريب، أنّ إطلاق عدم العلم و الظن شامل للخبر الواحد، فتنسلب عنه الحجية.
و الصحيح هو، أنّ هاتين الآيتين لا تدلان على عدم الحجية في مطلق الظن فضلًا عن الخبر.
أمّا الآية الأولى، فلأنّ النهي فيها تعلق باقتفاء غير العلم و ليس عن العمل بما لا يكون علماً، و فرق بينهما، فإنّ الاقتفاء عبارة عن اتباع الشيء و جعله سنداً و دليلًا بحيث يكون هو الداعي و المحرك للتابع، و هذا المطلب عقلي و عقلائي و صحيح في باب الظن، و لكن لا ينافي حجيته في بعض الموارد، فإنّه في مورد حجيته لا يكون المحرك هو الظن، و إنّما المحرك هو العلم بحجيّة هذا الظن، و لا يضر كونه ظاهراً كأنّه عمل على طبق الظن.
و أمّا الآية الثانية: فنفس الشيء يُقال فيها، حيث إنّها واردة في سياق التنديد بالكفار، لأنّهم يعوّلون على الظنون و التخمينات، فاستنكرت الآية عليهم ذلك، و استنكار طريقة الكفار العمل بالظن،