بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠ - حجية الخبر
و توضيحه: أنّ القضيّة لها نحوان من البعد في نفسها.
النحو الأوّل: البعد بلحاظ حساب استقرائي في عللها و أسباب وجودها في الطبيعة، فمثلًا: فرض دجاج لها أربعة قوائم، هو أمر بعيد قلّما يتّفق في الطبيعة، و هذا الاستبعاد نشأ من استقراء العلل و أسباب القضيّة، و بالاستقراء ثبت أنّ عوامل تثنية القوائم في الدجاج أكثر من عوامل التربيع فيها، و هذا استبعاد استقرائي نشأ من استقراء العلل و الأسباب.
النحو الثاني: هو استبعاد ناشئ من كثرة البدائل المحتملة.
فمثلًا: إذا طرق بابك طارق لا يعرف من هو، فهنا هذا الطارق مردّد بين آلاف الناس، لأنّ آلافاً من الناس يطرقون الباب عادة، حينئذٍ، فاحتمال أن يكون الطارق (زيد)، هو احتمال واحد من ثلاثة آلاف طارق إذا كان احتمال الذين يطرقون الباب يومياًّ ثلاثة آلاف طارق، إذاً هذا احتمال ضعيف، و ضعف هذا الاحتمال نشأ من كثرة البدائل المحتملة لا من الاستقراء، حينئذٍ، ما قلناه من أنّ ضعف الاحتمال للقضيّة المتواترة في نفسها يؤدّي إلى بطء عمليّة التواتر، إنّما هو من القسم الأوّل لا الثاني، يعني: في القسم الأول، و هو فيما إذا كانت القضيّة المتواترة بعيدة الاحتمال في حدّ ذاتها يحتاج إثباتها بالتواتر، و حصول اليقين بها إلى عدد أكبر ممّا إذا كانت قضيّة طبيعيّة في نفسها، فمثلًا: لو أخبرك عدد قليل من الناس بأنّ الدجاجة بيضاء اللون، فهنا قد يحصل لنا اليقين، لكن إخبار عدد أكبر من هذا العدد بكثير عن الدجاجة بأنّ لها أربعة قوائم، سوف لن يحصل لنا منه اليقين، لضعف القضيّة المخبر عنها بنفسها، فهي بعيدة الاحتمال و تحتاج إلى شهادات أكثر بكثير من الأول حتى يحصل لنا اليقين، و هذا شيء مطابق مع الوجدان، لأنّه في الأخبار الغريبة يحتاج إلى شهادات أكثر كي يحصل لنا اليقين.