بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٨ - حجية الخبر
مقدار، حينئذٍ نقول: أيضاً في المستقبل سوف تتكرّر نسبة الصدق بنفس الدرجة، حيث سوف يصدق في كلّ عشرة إخبارات ثماني مرّات كما كان في السنين السابقة، فهذا الاستنتاج هنا لن يكون رياضياً بحتاً، بل يكون متوقفاً على أن يُقاس المستقبل بالماضي، بمعنى أنّ نفس النسبة التي لاحظناها في الماضي سوف يحملها المستقبل، و هذه هي عقدة الاستقراء التي استعصت على الفكر العلمي، و هي أنّه كيف يمكن و بأيّ مبرّر منطقي أن نفترض أنّ المستقبل سوف يحمل نفس نسبة الماضي؟
و هذه المصادرة تتضمّنها جميع الاستقراءات العلميّة التكراريّة التي آمن بها العلم الحديث.
و هنا لا بأس بأن نستطرد و نقول: بأنّ هذه الفكرة و المصادرة،- أي حمل المستقبل لنفس نسبة الماضي-، هذه المصادرة، كان الفلاسفة العقليون يبرّرونها على أساس أنّ قوانين العليّة قوانين عقليّة قبليّة، و حينئذٍ كانوا يستفيدون من تلك النسبة علاقة عليّة، و علاقة العليّة ضروريّة ذاتيّة، إذاً تنطبق على الماضي و على المستقبل.
و الفكر الفلسفي الأوروبي منذ ألفت (دافيد هيوم) نظرة إلى أنّ العليّة ليست علاقة يمكن إثباتها بالتجربة، حينئذٍ استغنى هذا الفكر عن علاقة العليّة و الضرورة، و من هنا تحيّر هذا الفكر أنّه كيف يمكن أن يفترض أنّ المستقبل سوف يحتفظ بنفس نسبة الماضي، و هذا أحد المباحث المفصّلة التي حُلّت في كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء.
و هذا الاستقراء في الحقيقة، هو جوهر كاشفيّة الخبر، فكلّ خبر خبر، كاشفيّته تعتمد على حساب الاحتمالات، لكن لا حساب احتمال مجرد رياضي، بل حساب احتمال مع ضم هذه المصادرة، و هي مصادرة أنّ المستقبل كالماضي.