بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤ - حجية الخبر
إذاً، فالقضية المتواترة ترجع إلى الشكل الثاني من القضية التجريبية، و يطبق عليها الأسس المنطقية للاستقراء.
و بما ذكرناه يتضح أنّ الجانب العددي، أي الكثرة العددية للشهود، هي جوهر التواتر، باعتبار أنّ الكثرة العددية للشهود هي التي تصنع العلم الاجمالي الذي يكون له أطراف كثيرة، و بقدر ما يزداد الشهود تزداد أطراف العلم الإجمالي و تتراكم القيم الاحتمالية في مصب القضية المتواترة، إذاً الكثرة العددية للشهود هي جوهر التواتر.
لكن هذه الكثرة، ليس بالإمكان تحديدها في رقم معين، كأن يقال: إذا شهد مائة، أو أقل، أو أكثر، و نحو ذلك، كما حاولوا في الكتب وضع تحديدات كمية للتواتر حتى سمّاها الشهيد الثاني [١] بسخف القول، فذهب بعضهم إلى أنّ عدد الشهود ينبغي أن يكون ثلاثمائة و ثلاثة عشر شاهداً ناقلًا، و ذهب الآخر إلى أنه ينبغي أن يكون عددهم اثني عشر شاهداً ناقلًا، و ذهب الآخر إلى أنه ينبغي أن يكون عددهم سبعين شاهداً ناقلًا، و ذهب آخرون إلى أكثر من أربعة لئلا تدخل البينة على الزنى في التواتر، كما أنّ الأعداد السابقة كانت لاعتبارات، و النكتة في جميعها أنه بها تكون الحجة، كما أقيمت بها الحجة على الكفار من قبل الأنبياء (ع)، و أنت ترى أنّ هذه الأقوال لم تصنع ميزاناً معيناً و إنما هي من فنون الجزافات، و ما الذي أخرجه عن نظائره مما ذكر في القرآن، ثم قال (قده): إنّ الميزان إنما هو إفادة العلم، فالعدد الذي يفيد العلم هو التواتر، انتهى كلام الشهيد (قده).
و نحن لا نوافق الشهيد الثاني على ذلك، إذ حتى ما قاله (قده)
[١] () البداية في علم الدراية: الطبعة الحجرية الأولى، ص ١٢- ١٣.