بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٥ - الوجه الأول هو أنّ التحذر وقع مدخولًا لكلمة (لعلّ)،
هذا مطلق و لا يختص بصورة العلم بصدق المنذر، بل هو ثابت سواء علم بصدقه أو لا.
و هذا الوجوب إذا ثبت بطريقة (ما)، حينئذٍ يجعل برهاناً على حجيّة خبر الواحد، لأنّه لو لم يكن خبر الواحد حجّة لما وجب التحذر عند مجيئه إلّا إذا حصل العلم بصدقه، و مع عدم العلم فلا يجب التحذر.
إذاً: وجوب التحذر بمجيئه مطلقاً يكون ملازماً للحجيّة، و هذا ركن ركين في كل الوجوه الآتية، و قدر مشترك بينها.
و لكن هذه الوجوه، تختلف في كيفية إثبات و استفادة وجوب التحذر على الإطلاق من الآية، و نذكر منها ثلاثة وجوه.
الوجه الأول: هو أنّ التحذر وقع مدخولًا لكلمة (لعلّ)،
و (لعلّ) بحسب طبعها موضوعة للترجي، و بمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، أن يكون الداعي الجدّي لها هو الترجي، و لكن حيث إنّ داعي الترجي غير معقول بالنسبة لله تعالى، فلا بدّ من حملها و صرفها إلى أقرب الدواعي الجديّة لداعي الترجي، و أقرب هذه الدواعي إلى داعي الترجي هو، داعي المطلوبية و المحبوبية، إذاً، فتدل كلمة (لعل)، على أنّ مدخولها محبوب و مطلوب، و إذا ثبت كونه مطلوباً ثبت وجوبه، باعتبار أنّه إذا كان هناك مقتضي للحذر و الخوف فلا بدّ أن يكون واجباً، لأنّ احتمال الخوف لا تسامح فيه، و إلّا فلو لم يكن موجباً للخوف فلا معنى للحذر، فالحذر إذا طُلب وجب، و بهذا يثبت وجوب التحذر، و بالتمسك بإطلاق هذا الوجوب، يثبت أنّ التحذر مطلوب على كل حال، سواء حصل العلم بقول المنذر أو لا، و بهذا يثبت وجوب التحذر عند الإنذار حتى لو لم يحصل، و هذا يكشف عن الحجيّة.