بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١ - حجية الخبر
و نكتة ذلك، أنّ كاشفيّة التواتر إنّما هو بتقوية الاحتمال الثابت للقضيّة في نفسها، إذ كلّما كان هذا الاحتمال القبلي للقضيّة أضعف، حينئذٍ يحتاج إلى شهادات أكثر، و لا ينطبق هذا على البعد الناشئ من كثرة البدائل، لأنّ هذا الطارق للباب- في المثال المتقدّم- المردّد بين ثلاثة آلاف، بمجرّد أن يخبرك واحد ثقة بأنّ فلاناً يطرق الباب يحصل لك اليقين عادة، و هذا دليل (إنّي) على أنّ ضعف الاحتمال القبلي للقضيّة المنقولة، إذا كان هذا الضعف ناشئاً من كثرة البدائل المحتملة فلا يضرّ بكاشفية الشهادات، بخلاف إذا ما كان ناشئاً من استقراء بلحاظ حساب علل تلك الشهادات.
و قد برهنا على نكتة الفرق بين هذين القسمين، في كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء.
و يكفينا لغرض الفقهي و الأصولي انطباق ذلك على الوجدان هنا.
العامل الثالث: من العوامل المؤثرة في كاشفية التواتر هو، أنّ هؤلاء الأشخاص الشهود، كلّما كانوا بحسب ظروفهم و ملابساتهم متباينين كان حصول اليقين من شهاداتهم أسرع و العدد الأقلّ منه يكفي، و كلّما كانوا متقاربين و متفقين بحسب ظروفهم و أساليب حياتهم أكثر كان حصول اليقين من شهاداتهم أبطأ، و كانت كاشفية التواتر محتاجة لعدد أكبر، و هذا مطلب أدركه القدماء بالفطرة، و لهذا اشترطوا في التواتر أن يكون الشهود من ملل و أديان عديدة و مختلفة.
و هذه المحاولات كلها تشير إلى جوهر النكتة، و هي كون جوهر التواتر هو حساب الاحتمالات، إذ من البعيد جداً اتفاق مصلحة هؤلاء الشهود صدفة على الإخبار و شهادة واحدة.