بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٥ - القسم الثاني من الاعتراضات التي وجهت إلى تقريب الاستدلال بالآية
أكرم كل فقير)، فلا إشكال في أنّ الأول يقدم على الثاني بالأخصية، لأنّ مفاد قوله: (أكرم كل فقير)، هو إثبات حكم عام، و أخرى يرد، (لا تكرم الفقير الفاسق)، و يرد قوله: (إنّ وجوب الإكرام ليس بمناط العدالة بل هو بمناط الفقر) و لا إشكال أنّ مثل هذا الكلام ليس بصدد بيان حكم عام، بل هو بصدد بيان تعميم الحكم، و أنّ كل فقير يجب إكرامه و لو كان فاسقاً، و حينئذٍ يكون معارضاً للخاص، و هو قوله: (لا تكرم الفقير الفاسق) و لا يقدم الخاص في مثل ذلك بالأخصية.
و مقامنا من هذا القبيل، فلو قال المولى: لا تعمل بالخبر غير العلمي، لأمكن تخصيص هذا بالمفهوم، لأنّ هذا القول، في مقام بيان حكم عام، إلّا أنّ عموم التعليل في المقام، مفاده العرفي هو تعميم الحكم و إلغاء خصوصية المورد، و أنّ السبب في وجوب التبيّن هو، مخافة إصابة القوم بجهالة، و مثل هذا يقتضي عدم حجيّة خبر العادل غير العلمي، و حينئذٍ يكون معارضاً للمفهوم الذي يقتضي حجيّته، و لا يكون المفهوم مخصصاً له لما عرفت.
الأمر الثالث: هو أنّ المعارضة بين المفهوم و التعليل بنحو العموم من وجه، و نمنع الأخصيّة المذكورة، فكما أنّ عموم التعليل تحته فردان، أحدهما: خبر العادل، و الثاني، خبر الفاسق، كذلك المفهوم يوجد تحت إطلاقه فردان، لأنّ مفهوم قوله: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و هو أنّه إذا لم يجئكم فاسق بنبإ فلا تتبينوا، و هذا تحته فردان، أحدهما: أن يجيء العادل بالنبإ، و الثاني: أن لا يجيء نبأ أصلًا، فإطلاق المفهوم يشمل كلا هذين الفردين، و حينئذٍ، تقع المعارضة بين إطلاق المفهوم و إطلاق التعليل، و النسبة بينهما هي العموم من وجه كما عرفت، إذاً، فدعوى الأخصيّة المذكورة غير تامة.