بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٨
فهنا: إن بنينا على المبنى الأول، فحينئذٍ من الواضح أنّه بناء على هذا المبنى ينبغي أن يدّعى أن التنزل من تمام مراتب الموافقة القطعية التي هي القطع إنّما يكون إلى ما هو أقرب إليها مرتبة، و هو الظن، فلا معنى لأن ينزل الاحتياط في المظنونات إلى الموهومات، لأنّ هذا معناه، امتثال وهمي فيما إذا قلنا بأنّ العلم الإجمالي يقتضي الامتثال بأعلى المراتب، فإذا رفع اليد عنه، يبقى الباقي على حاله، لأنّ المقتضي للتنجيز موجود، و هو العلم الإجمالي، و المانع عنه مفقود، إذ لا يلزم عسر و حرج من التنزل إلى المرتبة العالية التي هي الظن، و هذا يقتضي عدم جواز قصر الاحتياط على الموهومات و ترك المظنونات.
و أما إذا بنينا على المبنى الثاني، فهذا البيان بهذا التقريب لا يأتي، لأنّ العلم الإجمالي بنفسه لا يكون منجزاً لوجوب الموافقة القطعية، و إنّما ينجز حرمة المخالفة القطعية.
و من الواضح أنّ هذه الحرمة كما يحصل تفاديها بالاحتياط في جانب المظنونات، كذلك يحصل تفاديها بالاحتياط في جانب الموهومات أيضاً، فحينئذٍ قد يتوهم أنّه لا موجب لصرف عنان الترخيص إلى جانب الموهومات فقط و الالتزام بالاحتياط في جانب المظنونات، لأنّ المنجز في الجميع ليس إلّا الاحتمال بعد تساقط الأصول.
إلّا أنّ التحقيق هو أنّه لا بدّ من صرف الترخيص إلى الموهومات، بمعنى أنّ الترخيص المستفاد من قاعدة نفي العسر و الحرج لا بدّ و أن يكون على نحو يؤدي إلى تطبيق هذه الرخصة على الموهومات، مع الالتزام بالاحتياط في المظنونات.
و توضيح الحال في ذلك بأحد بيانين.