بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٤ - الاستدلال بآية الكتمان
لكن من الواضح أنّه إذا كان هذا الإخبار حجّة، فالإخبار بدون هذه الشأنية يكون حجّة، لأنّ كونه من شأنه، و اللائق به أن يخبر، لا دخل له في حجّية و كاشفية الأخبار، فمثلًا: إذا سئل عن شيء و لم يخبر، فإنّه يصدق أنّه كتم، فلو ثبت حجيّة إخباره في هذا المقام، ثبت حجيّة إخباره الابتدائي، لأن الكاشفية فيهما على نحو واحد، و بهذا يتم الاستدلال.
و إن شئت قلت: إن تقريب الاستدلال بهذه الآية يشبه الوجه الثالث من وجوه الاستدلال بآية النفر، بدعوى أنّ تحريم الكتمان و وجوب الإظهار يستلزم وجوب القبول، و إلّا كان لغواً، فبدلالة الاقتضاء يثبت وجوب القبول، و بمقتضى الإطلاق ثبت وجوبه حتى في صورة عدم حصول العلم من الإظهار، فتثبت حجيّة خبر الواحد.
و كون الكتمان لا يصدق مع عدم وجود مقتضٍ للإخبار كالسؤال و نحوه، لا يقدح بالاستدلال، إذ لو استفدنا الحجّية في الإخبار المسبوق بالسؤال، تثبت في مطلق الأخبار، لعدم احتمال دخل خصوصية السؤال في حجيّة الخبر المبتنية على الكاشفية و الطريقية.
و قد أورد على هذا الاستدلال، بأنّ المحرّم إنّما هو الكتمان، و الكتمان هو الإخفاء، و الإخفاء إنّما يكون عند حجب الخبر عن الظهور عند توفر مقتضيات الظهور و العلم بالنسبة إليه، إذاً فهذا لا يكون إلّا في مورد يكون المقتضي لظهور الحقيقة و إبرازها متوفراً، و يكون هذا الإنسان بكتمانه مانعاً عن تأثير مقتضي العلم و الوضوح، فهذا حينئذٍ يكون حراماً، فغاية ما ينتجه ذلك، فيما إذا كانت الحقيقة بحسب طبعها في دور البروز للمكلف، فإذا كتمها حينئذٍ يكون حراماً، و أمّا الحقائق التي لم يتوفر لها مقتضيات الوضوح و البروز بحسب طبعها ليلزم الإخبار بها، فإنّها حينئذٍ لا يصدق عليه أنّه إخفاء و كتمان، لأنّه ليس للشيء ظهور حتى يخفيه.