بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤ - أقسام التواتر
و هذا بالتحليل يرجع إلى علم إجمالي آخر بحسب حساب عوامل التباين و عوامل الاتفاق في حياة هؤلاء، و بمقتضى هذا العلم الإجمالي سوف يصبح احتمال كذب هؤلاء (المائة)، و احتمال لأن يكون لهم بتمامهم مصلحة شخصية، هذا الاحتمال سوف يجعل أضعف بكثير من ضعف احتمال أيّ (مائة) أخرى ليس لها مصب واحد، و هذا المضعف الكيفي هو الذي سوف يزيل احتمال كذب هؤلاء المائة بتمامهم.
و بهذا نبرهن أنّ كاشفية التواتر لا يكفي فيها المضعف الكمّي الذي ذكرناه آنفاً، بل يُحتاج للمضعف الكيفي إلى جانب المضعف الكمّي، و هذا هو السرّ في أنّ مائة خبر إذا لم يكن لها مصب واحد لا يحصل العلم الإجمالي من ناحيته، بينما إذا كان لها مصب واحد فالمضعف الكيفي مضافاً إلى المضعف الكمّي موجود، و من هنا نعرف أنّه في الحالة الأولى إذا أخذنا مائة رواية ليس لها مصب واحد منظور لها، حينئذٍ سوف لن يحصل لنا علم إجمالي بصدق بعضهم بنحو يكون منجزاً، لأنّ المضعف الكمّي وحده لا يكفي، و المضعف الكيفي غير موجود.
نعم بحساب الاحتمالات يحصل الاطمئنان بصدق بعضهم، و هذا ليس حجّة عقليّة، نعم هو حجّة ببناء العقلاء، و هذه الدعوى صحيحة، لكن شمول هذا لهذا الاطمئنان الناشئ من تطبيق حساب الاحتمالات في مثل المقام، تكون عهدته على مدّعيه.
و قد اتّضح بما ذكرنا، أنّ جوهر كاشفية التواتر يعتمد على المضعّف الكيفي إلى جانب المضعف الكمّي، و أنّ المضعف الكيفي هو روح هذه الكاشفية، و في كل وقت ينفرد المضعف الكمّي وحده، يستحيل أن تكون هذه الكثرة العدديّة وحدها مؤثرة في إيجاد العلم بالقضيّة، و كل من المضعّفين ميزانه العلم الإجمالي بحسب الحقيقة كما عرفت.