الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٩٤ - ٣٠ المتن
فتوجّهت إليه آيسا من الحياة عازما على الموت. و لما دخلته و رأيت كثرة الناس، عدلت إلى سمت الرجلين و لزمت الشباك المطهر و قبّلته. فازدحم الناس و كادوا أن يطؤوني بأرجلهم، فرفعت يدي و رجعت إلى الجدار و اتّكيت به قليلا. فرأيت نفسي لا تطيق ذلك، فخرجت إلى الإيوان و جلست لأن أستريح ساعة. فانعقدت صلاة الجماعة و أخرجوني من بين الصفوف، فجئت إلى الصحن عند ما يلي الرأس و استرحت فيه مقدار ساعة و نصف فسكنت أعضائي قليلا. ثم وضعت نعلي و جورابي هنا و عدت إلى الحرم، فرأيت الكثرة كالأول. فذهبت من طرف الشهداء إلى المسجد الذي في الخلف عند منجنيق كان في تلك الأيام هناك، و أسندت إليه ظهري و صلّيت.
ثم انقلبت حالي و رأيت لا يمكنني التمدّد و النوم و لا ينبغي ذلك فيه، فعدلت إلى سمت الرأس و أتعبت نفسي في الوصول إلى الشباك. فازدحم الناس و عصروني، فخرجت إلى الإيوان و وقعت في الأرض كالمغشيّ و أتأوه و أشتكي، و كان الناس يمرّون بي و يسألون عن توجّعي و استغاثتي و أقول: خلّوني و ما بي، فإني مريض غريب ليس لي ممرّض و طبيب.
و كانت الليلة ليلة باردة، فأثّرت البرودة في أعضائي. فعدت إلى الرواق و قد مضى من الليل قريب من خمس، و قلت: إن حبيب بن مظاهر شخص جليل، و لا شك أنه عند اللّه حبيب و عند صاحب القبة المطهرة المنورة حبيب، فأتوسّل به لعله يشفع لي.
فالتزمت شباكه باليدين و كنت أتضرّع و أبكي و أقول: أنا دخيلك يا حبيب، و كان الدمع يجري من عيني كالمطر الوابل إلى ساعة و نصف و لم يبق لديّ قوة، فعدلت إلى الجدار لأستريح قليلا. فوقع نظري إلى المقتل، فنحوت إليه و نزلت من الدرج. فلما وقفت عليه، خنقتني العبرة و سبقتني الدمعة. فقعدت عنده أبكي و أتضرّع فتغيّرت حالي، فطرحت نفسي فيه و كنت لا أجسر قبله، و مسحت أعضائي بأرضه المطهرة و مسست جوارحي بتربته الطيبة و أكلت قليلا من غبار المحل.