المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٤٨ - ٦- الشرط الشرعي
و لقد ذهب بعض أعاظم مشايخنا- على ما يظهر من بعض تقريرات درسه- إلى أن الشرط الشرعي كالجزء لا يكون واجبا بالوجوب الغيري، و سماه (مقدمة داخلية بالمعنى الأعم)، باعتبار أن التقييد لما كان داخلا في المأمور به و جزء له (١) فهو واجب بالوجوب النفسي. و لما كان انتزاع التقييد إنما يكون من القيد- أي: منشأ انتزاعه هو القيد- و الأمر بالعنوان المنتزع أمر بمنشإ انتزاعه، إذ لا وجود للعنوان المنتزع إلا بوجود منشأ انتزاعه- فيكون الأمر النفسي المتعلق بالتقييد متعلقا بالقيد؛ و إذا كان القيد واجبا نفسيا فكيف يكون مرة أخرى واجبا بالوجوب الغيري (٢)؟
و لكن هذا كلام لا يستقيم عند شيخنا المحقق الأصفهاني (رحمه الله)، و قد ناقشه في مجلس بحثه بمناقشات مفيدة. و هو على حق في مناقشاته.
أما (أولا): فلأن هذا القيد المفروض دخوله في المأمور به؛ لا يخلو إما أن يكون دخيلا في أصل الغرض من المأمور به؛ و إما أن يكون دخيلا في فعلية الغرض منه؛ و لا ثالث لهما.
فإن كان من قبيل (الأوّل): فيجب أن يكون مأمورا به بالأمر النفسي، و لكن بمعنى: أن متعلق الأمر لا بد أن يكون الخاص بما هو خاص و هو المركب من المقيد و القيد، فيكون القيد و التقييد معا داخلين (٣). و السرّ في ذلك واضح، لأن الغرض
(١) إن الفرق بين الجزء و الشرط هو: أنه في الجزء يكون التقييد و القيد معا داخلين في المأمور به، و أما في الشرط فالتقييد فقط يكون داخلا و القيد يكون خارجا، يعني: أن التقييد يكون جزء تحليليا للمأمور به إذ يكون المأمور به- في المثال- هو الصلاة بما هي مقيّدة بالطهارة، أي: أن المأمور به هو المركب من ذات الصلاة و التقييد بوصف الطهارة. فذات الصلاة جزء تحليلي و التقييد جزء تحليلي آخر.
(المصنّف).
(٢) و بعبارة أكثر وضوحا نقول: إذا قال المولى: صل مع الطهارة فهنا توجد عندنا ثلاثة أمور: ذات المقيد و هي الصلاة، و ذات القيد هو الطهارة، و التقييد و هو النسبة الرّابطة بينهما. فذهب بعض أعاظم مشايخنا إلى أن المأمور به بالأمر النفسي هو المقيد (الصلاة) زائدا التقييد، و حيث أن التقييد عنوان منتزع من القيد أي: لا وجود للتقييد إلا بوجود القيد- أي: لا وجود للصلاة المقيدة بالطهارة إلا مع وجود الطهارة- فلا محالة يكون القيد و هو الطهارة مأمورا به بالأمر النفسي، و إذا كان كذلك فكيف يتصف القيد بالأمر الغيري مرة أخرى، أ ليس هذا إلا اجتماع المثلين أي: اجتماع وجوبين وجوب نفسي و غيري في آن واحد؟
(٣) أي: داخلين في المأمور به.