المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣١ - تعريف علم الأصول (١)
و لكن دلالة الآية الأولى، متوقفة على ظهور صيغة الأمر- نحو أَقِيمُوا هنا-
قد أجري بالفارسيّة بناء على اشتراط العربية في العقد- و كان المتبايعان يتخيّلان أنه صحيح و اتضح لديهما بعد ذلك أنه فاسد. و لكن قبل اتضاح فساده لهما نفرض أن الكتاب تلف فعلى من تكون خسارته؟ إنها على المشتري أيضا فهو الذي ينقص من كيسه مقدار قيمة الكتاب، و لا يحق له الرجوع على البائع و مطالبته بالثمن؛ لأن البيع ما دامت خسارة الكتاب فيه على المشتري لو كان صحيحا فكذلك خسارته عليه لو كان فاسدا، و من هنا قيل: كل معاملة إذا كان في صحيحها ضمان ففي فاسدها ضمان أيضا.
و إذا فرض الأمر بالعكس بأن لم يكن في المعاملة الصحيحة ضمان ففي الفاسدة أيضا لا ضمان، فمثلا: لو استأجرت بيتا و بعد مدة تهدّمت بعض جدرانه من دون تفريط منك فهل تخسر هذا النقصان الطارئ أم لا؟ الصحيح لا تخسره.
هذا لو كانت الإجارة صحيحة. أما لو كانت فاسدة و فرض تهدّم بعض الجدران قبل اطلاعك على فساد الإجارة فهل تضمن هذا النقصان؟ كلا لا تضمن، لأن الإجارة لو كان صحيحة فليس فيها ضمان فكذلك لو كانت فاسدة، و من هنا قيل: كل ما يضمن بصحيحه- الباء بمعنى «في»- يضمن بفاسده، و كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و قد بحث الشّيخ الأنصاري (قدس سره) هذه القاعدة مفصلا في كتاب المكاسب.
إذا: هذه القاعدة الفقهية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، حيث نستنبط منها أن البيع الفاسد فيه ضمان، باعتبار أن البيع الصحيح فيه ضمان، و نستنبط منها أيضا: إن الإجارة الفاسدة ليس فيها ضمان باعتبار إن الإجارة الصحيحة ليس فيها ضمان و هكذا.
إذا: يلزم من هذا أن تدخل هذه القاعدة الفقهية في علم الأصول.
و أيضا تدخل في علم الأصول قاعدتا لا ضرر و لا حرج، و بعض القواعد الفقهية العملية كقاعدة الفراغ و التجاوز، فإنّها جميعا يستنبط منها الحكم الشرعي أيضا كلّ بحسب مورده.
و الجواب على الاعتراض الثاني: بأن القاعدة الأصولية لا تكون أصولية إلا إذا توفّر فيها ركنان:
١- أن يستنبط منها حكم شرعي. ٢- أن يكون ذلك الحكم حكما كليا.
قال فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني: إن كلا من هذين الركنين مفقود في القواعد الفقهية، أما الركن الأول: فلأن مثل قاعدة «كل معاملة يضمن في صحيحها يضمن في فاسدها» هي بنفسها حكم شرعي لا إنه يستنبط منها حكم شرعي، نعم هذه القاعدة قاعدة كلية قد تطبق على هذه المعاملة أو تلك و يثبت من خلال التطبيق الضمان في بعض المعاملات و عدمه في بعض آخر، بيد إن هذا تطبيق و ليس استنباطا، و فرق واضح بين التطبيق و الاستنباط، ففي الاستنباط يكون لدينا شيئان متغايران أحدهما يثبت الآخر، و ينجز من دون أن يكون مصداقا و فردا له: نظير حجيّة خبر الثقة، فإنه إذا كان حجة فقد يستفاد منه حرمة العصير العنبي أو وجوب قراءة السورة، و معلوم إن حجية خبر الثقة ليست هي نفس حرمة العصير بل هما حكمان متغايران، غاية الأمر: أحدهما يثبت الآخر و ينجزه، هذا في الاستنباط. أما في التطبيق: فأحد المطلبين يكون مصداقا و فردا للآخر دون أن يغايره- و هذا كما في