المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠ - تعريف علم الأصول (١)
وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً.
و الإيرادات التي وردت على هذا التعريف و من جملتها الاعتراض المذكور أعلاه. و لأجل رفع هذا الاعتراض عرف صاحب الكفاية علم الأصول بأنه (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل التي هي عبارة عن الأصول العملية، حيث أن المجتهد بعد فقدان الأمارات ينتهي إلى الأصول العملية في مقام العمل لتحديد وظيفته العملية عند جهله بالحكم الشرعي.
و النقطة التي يفترق بها صاحب الكفاية في تعريفه عن تعريف المشهور هي: زيادته القيد الأخير في تعريفه، و هو (أو التي ينتهي إليها في مقام العمل)، و بهذا القيد تدخل الأصول العملية؛ لأنها ينتهى إليها في مقام العمل و ذلك بتحديدها الوظيفة العملية للمكلف.
- و هناك جواب آخر على هذا الاعتراض ذكره العلماء، و أنا أنقله من الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني لفضيلة الأستاذ الشّيخ باقر الإيرواني و محصله: ما هو مذكور في كلمات السيّد الخوئي (قدس سره) و استصوبه السيّد الشهيد (قدس سره) في تقريرات درسه، و هو تفسير الاستنباط بتفسير جديد، فسابقا كان يفسّر بتحصيل الحكم و استخراجه من الأدلة الشرعية، و بناء على هذا يكون الإشكال تاما، حيث أن الأدلة التي يستحصل منها الحكم هي خصوص الأمارات دون الأصول، و الآن يفسّر الاستنباط بالتنجيز و التعذير، فكل قاعدة تنجز الحكم الشرعي أو تكون معذرة عند مخالفته فهي أصولية، و واضح كما أن الأمارات تنجّز و تعذّر كذلك الأصول العملية، فالتدخين إذا كنا لا نعرف أنه حرام واقعا أو لا فمتى ما دلت أمارة- كخبر الثقة مثلا- على أنه حرام واقعا كانت منجزة للحرمة، و إذا دلت على إباحته كانت عذرا في مخالفة الحرمة على تقدير ثبوتها واقعا [١]. هذا في الأمارة، و هكذا في الأصل فإنه منجّز و معذّر أيضا، فالأصل الذي نتمسّك به إذا كان أصل البراءة أفادنا العذر من مخالفة الحرمة لو كانت ثابتة واقعا، و إذا كان أصل الاحتياط فهو منجز للحرمة لو كانت ثابتة واقعا.
الاعتراض الثاني: إن تعريف المشهور لعلم الأصول لا يختص بالمسائل الأصولية بل يشمل القواعد الفقهية، و على سبيل المثال نذكر القاعدة المعروفة «كل معاملة إذا كان في صحيحها ضمان ففي فاسدها ضمان أيضا».
و المقصود من هذه القاعدة على حد تعبير فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني: إنك لو اشتريت كتابا لتدرس فيه مثلا و في الطريق تلف لسبب و آخر فعلى من تكون خسارته؟ فهل خسارته على البائع أو على المشتري؟ الصحيح إنها على المشتري لأن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
إذا: في البيع الصحيح خسارة الكتاب لو تلف و ضمانه- لا بدّ من الالتفات إلى أن المقصود من الضمان في القاعدة هو الخسارة و التلف- على المشتري، و لو فرض أن البيع كان فاسدا- كما إذا كان
[١] مصطلح التنجيز يستعمل عند ما تدل الأمارة أو الأصل على حكم الزامي و هو الوجوب أو الحرمة، فيتنجز كل واحد منهما على تقدير ثبوته واقعا، بينما مصطلح التعذير يستعمل عند ما يدلان على الإباحة، حيث يكونان عذرا من مخالفة الحرمة أو الوجوب لو كانا ثابتين واقعا.