المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٥ - (الصورة الثانية)
و مبينا لعموم العام يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو قبيح من الحكيم، لأن فيه إضاعة للأحكام و لمصالح العباد بلا مبرر. فوجب أن يكون ناسخا للعام، و العام باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاص، فيجب العمل ثانيا على طبق الخاص.
و أما من ذهب إلى جواز كونه مخصصا، فلعله ناظر إلى أن العام يجوز أن يكون واردا لبيان حكم ظاهري صوري لمصلحة اقتضت كتمان الحكم الواقعي، و لو مصلحة التقية، أو مصلحة التدرج في بيان الأحكام، كما هو المعلوم من طريقة النبي (صلى الله عليه و آله) في بيان أحكام الشريعة، مع أن الحكم الواقعي التابع للمصالح الواقعية الثّابتة للأشياء بعناوينها الأولية إنما هو على طبق الخاص. فإذا جاء الخاص يكون كاشفا عن الحكم الواقعي، فيكون مبينا للعام و مخصصا له، و أما الحكم العام الذي ثبت أولا ظاهرا و صورة إن كان قد ارتفع و انتهى أمده، فإنه إنما ارتفع لارتفاع موضوعه (١) و ليس هو من باب النسخ.
و إذا جاز أن يكون العام واردا على هذا النحو من بيان الحكم ظاهرا و صورة، فإن ثبت ذلك كان الخاص مخصصا أي: كان كاشفا عن الواقع قطعا. و إن ثبت أنه في صدد بيان الحكم الواقعي التابع للمصالح الواقعية الثّابتة للأشياء بعناوينها الأولية (٢)، فلا شك: في أنه يتعين كون الخاص ناسخا له. و أما لو دار الأمر بينهما إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما، فأيهما أرجح في الحمل؟ فنقول:
الأقرب إلى الصواب هو الحمل على التخصيص.
و (الوجه فيه): إن أصالة العموم بما هي لا تثبت أكثر من أن ما يظهر من العام هو المراد الجدي للمتكلم، و لا شك: أن الحكم الصوري الذي نسميه بالحكم الظاهري كالواقع مراد جدي للمتكلم لأنه مقصود بالتفهيم، فالعام ليس ظاهرا إلا في أن المراد الجدي هو العموم سواء كان العموم حكما واقعيا و صوريا. أما أن الحكم واقعي فلا
(١) و المصلحة التي على طبقها شرع الحكم العام، و لو مصلحة التقية.
(٢) و المقصود من العناوين الأولية: هو فيما إذا ثبت حكم إلى شيء بما هو شيء فهو حكم ثابت بالحكم الأوّلي مثل: الخمر حرام. فالخمر بما هي خمر حرام، فهذا ثابت بالحكم الأوّلي، و أما الثّانوي:
فهو ثبوت الشيء لا بعنوانه الأوّلي بل بما هو مندرج تحت عنوان آخر. فالحكم الثّانوي إذا: هو في قبال الأحكام الأوّلية، و هو هنا الحكم الظاهري حيث لم يثبت للأشياء بعناوينها الأوّلية.