المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٠ - ١٠- تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد (١)
المسائل المجمع عليها من غير خلاف بين علمائنا، فما السر في ذلك مع ما قلناه؟
نقول: لا ريب في أن القرآن الكريم- و إن كان قطعي السند- فيه متشابه و محكم (نص على ذلك القرآن نفسه)، و المحكم نص و ظاهر، و الظاهر منه عام و مطلق. كما لا ريب أيضا: في أنه ورد في كلام النبي و الأئمة «عليهم الصلاة و السّلام» ما يخصص كثيرا من عمومات القرآن و ما يقيد كثيرا من مطلقاته، و ما يقوم قرينة على صرف جملة من ظواهره. و هذا قطعي لا يشك فيه أحد.
فإن كان الخبر قطعي الصدور (١) فلا كلام في ذلك (٢)، و إن كان غير قطعي الصدور، و قد قام الدليل القطعي على أنه حجة شرعا، لأنه خبر عادل مثلا، و كان مضمون الخبر أخص من عموم الآية القرآنية، فيدور الأمر بين أن نطرح الخبر بمعنى:
أن نكذب راويه (٣)، و بين أن نتصرف بظاهر القرآن (٤)، لأنه لا يمكن التصرف بمضمون الخبر، لأنه نص (٥) أو أظهر (٦)، و لا بسند القرآن لأنه قطعي (٧).
و مرجع ذلك: إلى الدوران- في الحقيقة- بين مخالفة الظن بصدق الخبر و بين مخالفة الظن بعموم الآية (٨). أو فقل: يدور الأمر بين طرح دليل حجية الخبر و بين طرح أصالة العموم، فأي الدليلين أولى بالطرح؟ و أيهما أولى بالتقديم؟
كقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
و قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ.
و قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً.
و قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
(١) بأن كان متواترا.
(٢) أي: في تخصيص القرآن بخبر الواحد، و ذلك لأنّه يكون من باب تعارض ظهورين فيقدم الظهور الأظهر، و هو الخبر لأنّه خاص.
(٣) و هذا فيه مخالفة لأصالة صحة السند.
(٤) و هذا فيه مخالفة لأصالة العموم.
(٥) المراد من نصيّة الخبر: هو بأن تكون الرواية صريحة، و القرآن ظاهر، فيقدم النص على الظاهر.
(٦) أي: أن الرواية أظهر من ظاهر القرآن، فتقدم بالأظهرية.
(٧) أي: لا يمكن التصرف في سند القرآن، لأنّه قطعي الصدور من المولى «سبحانه و تعالى»، فلا يمكن أن نطرحه عند تعارضه مع الرواية بأن نقول: بأنّها ليست صادرة من المولى «سبحانه و تعالى».
(٨) فيتعارض حينئذ صدور الخبر مع ظاهر الآية الكريمة.