المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٨ - ٩- التخصيص العام بالمفهوم
و أما التخصيص (بالمفهوم المخالف): فمثاله قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً، الدال بعمومه على عدم اعتبار كل ظن حتى الظن الحاصل من خبر العادل. و قد وردت آية أخرى هي: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... الدالة بمفهوم الشرط على جواز الأخذ بخبر غير الفاسق بغير تبين (١).
فهل يجوز تخصيص ذلك العام (٢) بهذا المفهوم المخالف (٣)؟ قد اختلفوا على أقوال: فقد قيل: بتقديم العام و لا يجوز تخصيصه بهذا المفهوم. و قيل: بتقديم المفهوم. و قيل: بعدم تقديم أحدهما على الآخر فيبقى الكلام مجملا. و فصل بعضهم تفصيلات كثيرة يطول الكلام عليها.
(و السر في هذا الخلاف): إنه لما كان ظهور المفهوم المخالف ليس من القوة بحيث يبلغ درجة ظهور المنطوق أو المفهوم، وقع الكلام أنه أقوى من ظهور العام- فيقدم عليه، أو أن العام أقوى فهو المقدم، أو أنهما متساويان في درجة الظهور فلا يقدم أحدهما على الآخر، أو أن ذلك يختلف باختلاف المقامات.
و الحق: أن المفهوم لما كان أخص من العام- حسب الفرض- فهو قرينة عرفا على المراد من العام، و القرينة تقدم على ذي القرينة و تكون مفسرة لما يراد من ذي القرينة، و لا يعتبر أن يكون ظهورها أقوى من ظهور ذي القرينة. نعم لو فرض أن العام كان نصا (٤) في العموم فإنه يكون هو قرينة على المراد من الجملة ذات المفهوم فلا يكون لها مفهوم حينئذ. و هذا أمر آخر.
إذا: يخصص عموم وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بالمفهوم الموافق، فكأنه قيل: «و أحل لكم ما وراء المذكورات إلا ذات البعل».
هل يجوز تخصيص العام بالمفهوم المخالف أم لا؟ (١) مثاله: كل ماء طاهر، هذا عام ثم جاءت رواية تقول: «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء» مفهومه: إذا كان أقل من كر و لاقته نجاسة يتنجس. هل يمكن أن يكون مخصصا لذلك العام أو يبقى العام على عمومه؟ فيه كلام بين الأعلام. فمن أراد التفصيل فليراجع الكفاية.
(٢) و هو: عدم حجية الظن.
(٣) و هو: حجية الظن الحاصل من خبر العادل.
(٤) يعني: غير قابل للتصرف في ظهوره.