المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٥ - ١١- دلالة الأمر بالأمر على الوجوب
و كل أوامر الأنبياء بالنسبة إلى المكلفين من هذا القبيل (١).
(١) دلالة الأمر بالأمر على الوجوب:
قال صاحب الكفاية في كفايته (بتصرف): الأمر بالأمر بشيء أمر لو كان غرض المولى حصول الشيء، و لم يكن للمولى غرض في توسيط أمر الغير به إلا تبليغ أمر الأمر الأوّل (المولى) بذلك الشيء. و بعبارة أخرى: هل يكون الثّالث مأمورا من الأوّل (المولى)، أم مأمورا من الثّاني (الرسول)؟
فيه قولان:
- القول الأوّل: يكون الثّالث مأمورا من الأوّل (المولى) و ذهب إلى هذا القول بعض المتأخرين.
- القول الثّاني: يكون الثّالث مأمورا من الثّاني (الرسول)، و هذا يعود إلى ملاحظة غرض المولى، فإن تعلق غرض المولى بحصول ذلك الشيء كان الواسطة «الرسول» مبلغا، لا آمرا، و إن تعلق غرض المولى بصرف أمر الواسطة من دون تعلّق غرضه بذلك الشيء، أو تعلق غرضه بحصول ذلك الشيء، لكن بعد تعلّق أمر الواسطة به، بحيث يكون أمر الواسطة من قبيل شرط الوجوب، فلا يكون الثّالث مأمورا من الأوّل (المولى).
- «لا يخفى: أن الثمرة المترتبة على هذا البحث- على ما قيل- هي: شرعية عبادات الصبي، بمثل قول أبي عبد الله (عليه السلام) في حسنة الحلبي أو صحيحته في (الوسائل، الباب ٣ من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث ٥): «فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين» و نحوه (نفس المصدر) ممّا ورد في أمر الولي للصبي.
لكنك خبير: بأنّه إذا لم يدل دليل على تعيّن كون أمر الشارع للأولياء بأمرهم للصبيان أمرا بنفس ذلك الشيء لم يترتب عليه هذه الثمرة، لأنّ ترتّبها عليه منوط بدلالة الأمر بالأمر في مقام الإثبات على كون الواسطة مبلّغا، لا آمرا، إذ مع الإجمال و عدم الدلالة لا تترتب الثمرة المزبورة على هذا البحث، فتكون عبادات الصبي حينئذ تمرينيّة.
- فالأولى: إثبات مشروعيّة عبادات الصبي بعموم أدلة التشريع، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ و أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ و نحوها ممّا يعم البالغ و غيره. و حديث: «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم» في هذا مخصصة بالبالغ، لأنه بقرينة وروده مورد الامتنان يرفع الإلزام الموجب للثقل مع بقاء المصلحة على حالها.
- و على هذا: فلو أتى بالصلاة في الوقت، ثم بلغ أجزأت، و لا تجب الإعادة» [١].
قال صاحب الكفاية: ... و قد انقدح بتطرق الاحتمالين في أمر الواسطة بشيء في مقام الإثبات (أي:
الواقع): إنّه لا دلالة بمجرد الأمر بالأمر على أحد الاحتمالين، بل لا بدّ في الدلالة عليه من قرينة عليه، أي: لا نستطيع أن نقول: الأمر بالأمر أمر بذلك الشيء لأنه واقعا كلا الاحتمالين واردان و تعيين أحدهما تحتاج إلى مئونة زائدة في بيانه.
إلّا أن السيّد محمد جعفر الجزائري المروج- الشارح للكفاية- يعلق على هذا قائلا: ... لا يبعد أن
[١] منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٢، ص ٥٧٨- ٥٧٩.