المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٣ - ١٠- الأمر بشيء مرتين (٤)
الطبيعة الواحدة يستحيل تعلق الأمرين بها من دون امتياز في البين، فلو كان الثّاني تأسيسا غير مؤكد للأوّل لكان على الآمر تقييد متعلقه و لو بنحو (مرة أخرى). فمن عدم التقييد و ظهور وحدة المتعلق فيهما يكون اللفظ في الثّاني ظاهرا في التأكيد، و إن كان التأكيد في نفسه خلاف الأصل و خلاف ظاهر الكلام لو خلي و نفسه (١).
(الثّانية): أن يكون الأمران معا معلقين على شرط واحد، كأن يقول المولى مثلا:
«إن كنت محدثا فتوضأ»، ثم يكرر نفس القول ثانيا. ففي هذه الحالة أيضا يحمل على التأكيد لعين ما قلناه في الحالة الأولى بلا تفاوت.
(الثّالثة): أن يكون أحد الأمرين معلقا و الآخر غير معلق كأن يقول مثلا:
(اغتسل) ثم يقول: (إن كنت جنبا فاغتسل). ففي هذه الحالة أيضا يكون المطلوب واحدا و يحمل على التأكيد، لوحدة المأمور به ظاهرا المانعة من تعلق الأمرين به، غير أن الأمر المطلق- أعني: غير المعلق- يحمل إطلاقه على المقيد- أعني: المعلق- فيكون الثّاني مقيدا لإطلاق الأوّل و كاشفا عن المراد منه.
(الرّابعة): أن يكون أحد الأمرين معلقا على شيء و الآخر معلقا على شيء آخر، كأن يقول مثلا: (إن كنت جنبا فاغتسل) و يقول: (إن مسست ميتا فاغتسل)، ففي هذه الحالة يحمل- ظاهرا- على التأسيس، لأن الظاهر أن المطلوب في كل منهما غير المطلوب في الآخر، و يبعد جدا حمله على أن المطلوب واحد، أما التأكيد فلا معنى له هنا (٢)، و أما القول بالتداخل (٣) بمعنى: الاكتفاء بامتثال واحد عن المطلوبين فهو ممكن، و لكنه ليس من باب التأكيد، بل لا يفرض إلّا بعد فرض التأسيس و أن هناك أمرين يمتثلان معا بفعل واحد (٤).
(١) محصل الصورة الأولى بعبارة أخرى: أن يكون الأمران مطلقين كأن يقول المولى: «صلّ» ثم يقول: «صلّ»، فهنا مقتضى إطلاق المادة هو كون متعلق الأمرين طبيعة واحدة، و حينئذ: لا بدّ من حمل الأمر الثّاني على التأكيد لئلا يلزم اجتماع وجوبين على طبيعة واحدة، و هو محال لأنّه اجتماع مثلين على شيء واحد، و هو مستحيل كاستحالة طلب الضدين. فإن قلت: حمل الأمر الثّاني على التأكيد خلاف الأصل في كلام المتكلم، و أنه يوجد ظهور للكلام عموما في التأسيس. قلت: هذا صحيح، لأجل الفرار من محذور اجتماع المثلين فلا بدّ من الالتزام بمخالفة الأصل.
(٢) لأجل التغاير في الشرط.
(٣) أي: تداخل المسببات.
(٤) لأن التداخل يفترض وجود سببين أو أكثر يجزي امتثالهما بالإتيان بمسبّب واحد، نحو: الغسل