المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٦٩ - ٣- (الفساد)
كذلك فالملكية تسمى بالتوليدي و التسبيبي.
فإذا اتضحت هذه المقدمة ندخل في صلب الموضوع. و السؤال المطروح هو: هل النهي عن المعاملة يقتضي فسادها أم لا؟
قال صاحب الكفاية: «إن النهي الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد، لعدم الملازمة فيها لغة و لا عرفا بين حرمتها و فسادها أصلا، كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة أو بما هو فعل يترتب عليه الملكية مثلا ...».
فالبيع المنهي عنه في يوم الجمعة حرام، و لكن لو وقع البيع يكون صحيحا.
نعم: لو فرض أن النهي كان عن الشيء الذي لا يمكن النهي عنه مع صحة المعاملة. مثل: لا تتصرف بثمن البيع الحاصل مع الطفل، فهذا يدل على أن البيع مع الطفل باطل. إذا: النهي عن التصرف بالثمن هنا إذا دل على شيء إنما يدل على فساد بيع الطفل.
إلا أن هذا خروج عن محل الكلام، إذ الكلام عن النهي عن المعاملة، و هنا لا يوجد نهي عن معاملة الصبي في (لا تبع الصبي) بل هنا النهي تعلق بالثمن بحسب الفرض، و النهي عن الثمن ليس نهيا عن المعاملة فلا يدخل في محل الكلام. إذا: النهي عن المعاملة لا يقتضي فسادها.
إلا أن صاحب الكفاية لديه استدراك و هو: «نعم لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها، كما أن الأمر بها يكون ظاهرا في الإرشاد إلى صحتها من دون دلالة الأمر على إيجابها أو استحبابها كما لا يخفى».
و بعبارة أكثر وضوحا نقول: ليس من البعيد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها، فحينما يقول المولى «عزّ و جل»: «لا تبع الصبي» و «لا تبع للمجنون» يستفاد منه النهي الإرشادي أي: إرشاد إلى أن العقل شرط في صحة البيع، و إرشاد إلى أن البلوغ شرط في صحة البيع. إذا: ليس بعيدا أن ظهور كل نهي في المعاملة ظاهر في الإرشاد كالنهي عن البيع مع الصبي المقتضي لفسادها. ثم عقب صاحب الكفاية (قدس سره) قائلا: «لكن نفس البعد عن ظهور النهي في الإرشاد إلى الفساد إنما يكون في المعاملات بالمعنى الأخص و هي العقود و الإيقاعات، لا بمعناها الأعم و هو ما لا يعتبر فيه قصد القربة.
بل لو أمر به كان أمره توصليا كالأمر بتطهير الثوب و البدن، فإن النهي عن المعاملة بالمعنى الأعم يحمل على ما تقتضيه القرينة الخارجية إن كانت، و إلا فيحمل على معناه الحقيقي و هو الحرمة، لكنها لا تدل على الفساد، لما مر من عدم الملازمة بين الحرمة و الفساد لا لغة و لا عرفا» [١].
إذا: المراد من النهي في هل النهي عن المعاملة يقتضي فسادها أم لا؟ هو النهي المولوي. و هو كما قلنا لا يقتضي الفساد.
و لا يبعد ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها. فيكون المراد من النهي هنا: النهي الإرشادي.
و المعول في ذلك هو ملاحظة القرائن، فإن كان هناك قرينة على إرادة النهي في الإرشادي فهو يقتضي فسادها، و إذا كان هناك قرينة على إرادة النهي في المولوي فهو لا يقتضي فسادها. و إذا كان لا توجد
[١] راجع: منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ٢٨٩.