المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٢ - ١- حقيقة الوضع (١)
دلالة الدخان- مثلا- على وجود النار، و إن توهم ذلك (١) بعضهم، لأن لازم هذا
المعنى، لكي يصبح سببا لتصور المعنى حقيقة؟ و كلنا يعلم أن المؤسس و أي شخص آخر يعجز أن يجعل من حمرة الحبر الذي يكتب به سببا لحرارة الماء، و لو كرر المحاولة مائة مرة قائلا: خصصت حمرة الحبر (الذي أكتب به) لكي تكون سببا لحرارة الماء، فكيف يستطيع أن ينجح في جعل اللفظ سببا لتصور المعنى بمجرد تخصيصه لذلك دون أي علاقة سابقة بين اللفظ و المعنى؟ و هكذا نواجه المشكلة كما كنا نواجهها سابقا، فلا يكفي لحلها أن نفسر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية يقوم بها مؤسس اللغة، بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكي نعرف كيف قامت السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة.
- الاحتمال الثّالث: و هي نظرية التعهد، و التعهد: هو عبارة عن التزام الواضع و تعهده بأن لا يأتي بلفظ الأسد إلا عند إرادة تفهيم معنى الحيوان المفترس. و لكن يرد على هذا المسلك.
ب أوّلا: بأن التعهد خلاف ما هو مألوف عند العرف، لأن التعهد معناه الالتزام بأنه لا يستعمل اللفظ استعمالا مجازيا؛ لأن المتعهد حينما يتعهد يقول: لا استعمل كلمة الأسد إلا عند إرادة تفهيم المعنى أي: الحيوان المفترس، فلو فرضنا أنه أراد أن يستخدم لفظ الأسد في الرجل الشجاع هذا يكون خلاف تعهده، و هذا معناه: أن الواضع لا يستعمل المجاز مطلقا، و هذا خلاف ما هو المألوف عند العرب و الناس، فعليه: إن الوضع ليس بمعنى التعهد.
ثانيا: إن الدلالة اللفظية، و العلقة اللغوية بموجب هذا المسلك تتضمن استدلالا منطقيا من انتقال من اللازم إلى الملزوم، و هذا لا يدركه الإنسان العادي قبل أن يصل إلى مرحلة يستطيع أن يدرك هذا الاستدلال و الانتقال من اللازم إلى الملزوم، مع أن هذه العلقة اللفظية الموجودة بين اللفظ و المعنى موجودة في أوّل مراحل الإنسان أي: مرحلة الطفولة، و قبل أن ينضج أي فكر استدلالي له. فالطفل عند ما يستعمل اللفظ (ماما) لا يوجد عنده التعهد كما هو واضح. و هذا يكشف عن أن الوضع أبسط من ذلك.
- الاحتمال الرّابع: و هي نظرية الاقتران، و من هنا نصل إلى المسلك الأخير، و هو الصحيح كما هو المختار عند السيّد الصّدر (قدس سره) فالتحقيق أن يقال: إن الوضع هو عبارة عن عملية الاقتران الحاصلة بين اللفظ و المعنى، هذا الربط الأكيد الموجود بين اللفظ و المعنى هو عبارة عن الوضع، و هذا الربط الحاصل بين تصور اللفظ و تصور المعنى تارة: يحصل بصورة عفويّة، كالرّبط بين سماع الزئير و رؤية الأسد، و أخرى: يحصل بالعناية التي يقوم بها الواضع إذ يربط بين اللفظ و تصوّر معنى مخصوص في ذهن الناس، فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى. و الاعتبار الذي تحدّثنا عنه في الاحتمال الثّاني ليس إلا طريقة يستعملها الواضع في إيجاد ذلك الربط و القرن المخصوص بين اللفظ و صورة المعنى. فمسلك الاعتبار هو الصحيح، و لكن بهذا المعنى (نظرية الاقتران) و لذلك صح أن يقال: أن الوضع قرن مخصوص بين تصور اللفظ و تصور المعنى بنحو أكيد بحيث يستتبع عند ذكر اللفظ الانتقال إلى المعنى في الذهن.
(١) أي: توهم أن دلالة الألفاظ على معانيها دلالة ذاتية.