المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥١٣ - تحرير محل النزاع
واحد حتى تقول بالامتناع. ففي المثال: «الصلاة في الأرض المغصوبة» هنا الامتثال بالصلاة في الأرض المغصوبة امتثال بطبيعة الصلاة، و عصيان بطبيعة أخرى و هو الغصب، و الطبيعتان متغايرتان فأين الاجتماع في شيء واحد؟ إذا: في مقام إطاعة الأمر و عصيان النهي لا يوجد اتحاد لحصول الإطاعة و العصيان بالإتيان بالصلاة في الأرض المغصوبة، لتعدد موضوعهما، فإن موضوع الأمر هو طبيعة الصلاة و موضوع النهي هو طبيعة الغصب فلا اتحاد، فلا محذور من اجتماع الضدين في اجتماع الأمر و النهي.
صاحب الكفاية في كفايته رد على هذا القول و طرح على صاحب القوانين سؤالا: و هو: أنه قلتم يا صاحب القوانين أنه يوجد وجود واحد، و يوجد طبيعتان فهل قصدك من الطبيعة نفس الماهية و بالتالي يوجد عندنا ماهيتان بحسب الفرض مع وجود واحد؟ أو قصدك من الطبيعة نفس العنوان و بالتالي يوجد عندنا عنوانان مع وجود واحد؟
فإذا قلت: إن المراد من الطبيعتين نفس الماهيتين فنحن قلنا في المقدمة الرابعة: إن كان وجودا واحدا له ماهية واحدة فقط.
و إذا كان قصدك من الطبيعتين نفس العنوانين بمعنى: أنه يوجد ماهية واحد و لها عنوانان نقول: صحيح لها عنوانا الصلاتية و الغصبية و لكن نقول: إن تعدد العنوان لا يفيد لأن الأحكام لا تتعلق بالعناوين.
الدليل الثاني على جواز الاجتماع: إن البرهان القطعي على إمكان الاجتماع الأمر و النهي هو وقوعه، فإن وقوع الشيء أدل دليل على إمكانه، و محصل هذا الدليل: هو إنه لو لم يجز اجتماع الوجوب و الحرمة لما جاز اجتماع الوجوب و الكراهة مثل: «الصلاة في الحمام» فإن الصلاة واجبة، و كذلك مكروهة. و كذلك: اجتماع الوجوب و الاستحباب مثل: الصلاة في المسجد فإنها واجبة و مستحبة، و كذلك: اجتماع الكراهة و الاستحباب مثل: الصوم يوم عاشوراء أو السفر أو الصوم في يوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء، أو صلاة النافلة في الحمام.
فصاحب الدليل يرى الملازمة بين اجتماع الوجوب و الحرمة مع ما ذكرناه، فإذا جاز اجتماع ما ذكرناه أعلاه لازمه أنه يجوز اجتماع الوجوب و الحرمة أيضا، و بيان الملازمة هو: أن الأحكام الخمسة كلها متضادة يعني: كما أن الحرمة تضاد و تنافي الوجوب، كذلك الاستحباب ينافي الكراهة، و كذلك بين الوجوب و الكراهة و هكذا ... فإذا كان الاجتماع بين الكراهة و الاستحباب جائز إذا: جاز الاجتماع بين الوجوب و الحرمة.
أجاب صاحب الكفاية في كفايته على هذا الدليل بجوابين:
الجواب الأول إجمالي و هو: بعد أن قام الدليل العقلي على استحالة اجتماع الوجوب و الحرمة لا بدّ أن نؤول كل ما ظاهره جواز الاجتماع، ضرورة: إن الظهور لا يصادم البرهان أي: بعد أن قام البرهان العقلي على الاستحالة، هذا الظهور لا يصادم و لا يقف أمام البرهان بل لا بدّ من تأويل هذا الظهور.
الجواب الثاني: إن الاستدلال بالموارد المزبورة (كالصلاة في الحمام مثلا) على إمكان الاجتماع- بعد تسليم الظهور المذكور و عدم تأويله- غير سديد، بداهة أنها ظاهرة في جواز الاجتماع فيها بعنوان واحد و هذا لا يجوز، أي: أن الصلاة في الحمام لها عنوان واحد و هو الصلاة و الواجب و الكراهة