المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٠٢ - تحرير محل النزاع
٤- المسائل الكلامية: و هي التي يبحث فيها عن المبدأ و هو الله «عزّ و جل»، و المعاد و أحوال المبدأ و المعاد كلاميا، و ما يصح و يمتنع عليه «سبحانه و تعالى». بأن نقول: إن الله «عزّ و جل» هل يجوز أن يكلف غير القادر أم لا؟ هذا بحث عن فعله «عزّ و جل» فيصير كلاميا.
و في موردنا نقول: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد أم لا؟ يعني: هل يمكن الله «عزّ و جل» أن يكلفنا بالوجوب و الحرمة في شيء واحد؟ هذا بحث عن فعله «عزّ و جل».
٥- المسائل الفقهية: و هي التي تبحث عن الوجوب و الحرمة، و عن صحته و بطلانه و غيرها. و تسمى بالمسائل الفرعية، و في موردنا كيف تكون المسألة فرعية و فقهية؟
و وجه كون مسألتنا منها: هو إمكان النزاع في صحة الصلاة في المغصوب و عدمها، أو في وجوب إعادتها و عدمه.
و بعد أن بينا هذه المصطلحات نعود إلى السؤال لأجل الإجابة عليه. ذهب صاحب الكفاية إلى أن مسألة اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد جائز أم لا إلى أنها مسألة أصولية. و ملاك المسألة هي ما تقع في طريق الاستنباط الحكم الشرعي و هذه المسألة من هذا القبيل، فإذا قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي في أحد: فسوف تكون الصلاة صحيحة في المثال، و إذا قلنا بالامتناع: تكون الصلاة فاسدة.
إذا: مسألة اجتماع الأمر و النهي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي. و هذا لا يعني إنها لا ملاك لها في المسألة الكلامية أو لا ملاك لها في المبادي الأحكامية بل هي موجودة فيها، فيمكن أن تدخل هذه المسألة في علم الكلام فنعقدها كلامية لأن البحث فيها عن فعل من أفعال الله «عزّ و جل» كما ذكرناه في بيان المصطلحات. و يمكن أن تدخل في الفقه فتكون مسألتنا مسألة فقهية. و نلاحظ من كلام صاحب الكفاية: التذبذب، ففي بداية كلامه في كفايته قال: إنها مسألة أصولية فقط، و بعد ذلك يستدرك قائلا: يمكن أن تكون كلامية أو فقهية أو غير ذلك ... و لكن في نفس الوقت يمكن أن تكون أصولية.
الأمر الرابع: هل مسألة اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد مسألة عقلية أم لفظية؟
ج: البحث في هذه المسألة بحث عقلي لا لفظي. قال صاحب الكفاية في كفايته: «إنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أن المسألة عقلية، و لا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع و الامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ». قال السيّد محمّد جعفر المروج صاحب منتهى الدراية في شرح هذه العبارة: وجه الظهور: ما ذكره في الفرق بين هذه المسألة و المسألة الآتية من إجراء تعدد الجهة في دفع محذور اجتماع الضدين و عدمه، و من المعلوم: إن هذا المعنى ليس مدلولا للفظ، إذ مرجعه إلى جواز اجتماع الحكمين المتعلقين بطبيعتين مغايرتين متصادقتين على شيء واحد و عدمه، و هذا حكم عقلي لا ربط له بدلالة اللفظ، فالمراد بالأمر و النهي: هو الوجوب و الحرمة سواء أ كان الدال عليهما اللفظ أم غيره كالإجماع و الضرورة.
قد يشكل بإشكال و هو: إذا كانت مسألة اجتماع الأمر و النهي مسألة عقلية لما ذا تخصصون البحث بالأمر و النهي؟ لما ذا لا تعبرون عنها بالوجوب و الحرمة؟
الجواب: عبرنا بالأمر و نقصد به الوجوب، و تعبيرنا بالأمر باعتبار أن الأمر طريق دال على الوجوب