المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٩١ - الترتب (٤)
و هي أن كثيرا من الناس نجدهم يحرصون- بسبب تهاونهم- على فعل بعض العبادات المندوبة في ظرف وجوب شيء هو ضد للمندوب، فيتركون الواجب و يفعلون المندوب، كمن يذهب للزيارة أو يقيم مأتم الحسين (عليه السلام) و عليه دين واجب الأداء. كما نجدهم يفعلون بعض الواجبات العبادية في حين أن هناك عليهم واجبا أهم فيتركونه، أو واجبا مضيق الوقت مع أن الأوّل موسع فيقدّمون الموسع على المضيق، أو واجبا معينا مع أن الأوّل مخير، فيقدمون المخير على المعين ...
و هكذا.
و تلعب مع الصبيان). هنا اجتمعا أمران ترتبيان متضادان طوليا، و وقوع ذلك في الأمثلة العرفية أقوى دليل على إمكانه. هذا الإشكال أورد على الشّيخ الآخوند الخرساني.
جواب الآخوند الخرساني على هذا الإشكال هو ما يلي: إنّ وقوع الترتب في العرفيات لا يدلّ على وقوع الترتب في الشرعيات، لأنه يحتمل في الأمثلة العربية أحد وجهين:
إما: صدور الأمر بالمهم (الجلوس في البيت و الكتابة) بعد التجاوز و رفع اليد عن أمر الأهم (الذهاب إلى المعلم)، ففي صورة عدم الإتيان بالأهم لا أمر إلا أمر المهم، فليس هنا أمران بالضدين حتى يصبح اجتماعهما على نحو الترتب.
- و إما: أن يكون الأمر بالمهم أمرا إرشادا إلى محبوبية غير الأهم (الكتابة في المثال) بمعنى: عدم كون الأمر في هذا المورد مولويا، بل هو إرشادي، بأن يكون إرشادا إلى محبوبيّة المهم (الكتابة)، و بقائه بعد عصيان الأمر بالأهم على ما كان عليه من المصلحة. إذا: الأمر بالمهم إرشاد إلى محبوبيته و بقائه على ما هو عليه من المصلحة و المحبوبية لو لا مزاحمته بالذهاب إلى المعلم. فالمحبوبية موجودة قبل المزاحمة و بعد المزاحمة، فهو يستحق للثواب إذا فعلها لمحبوبيتها و في نفس الوقت: يستحق للعقاب لعصيانه للأمر الأهم. إذا: الأمر المولوي متعلق بالأهم، و أما المهم: فأمره إرشادي، فليس هنا أمران مولويان فعليّان متعلقان بالضدين.
قال الآخوند صاحب الكفاية في كفايته في مقام بيان استحالة الترتب ما يلي: إنه لا يمكن للقائلين بالترتب الالتزام بلازمه، و هو تعدد استحقاق العقوبة عند ترك الأهم و المهم معا، لأنّ المؤاخذة على أمر غير مقدور قبيح- على الحكيم- و قبح تعدد الاستحقاق كاشف عن عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما، و هذا دليل على عدم تعلق الخطاب بالأهم و المهم معا على نحو الترتب، لأن القدرة شرط في التكليف و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
و بعبارة واضحة نقول: إذا كان القول بالترتب ممكنا لازمه: إذا دخل المكلف المسجد لصلاة و وجد نجاسة فيه فهنا وجوب الإزالة، فإذا لم يزل النجاسة و لم يصلّ يكون قد خالف أمرين و عليه: يستحق عقابين و هذا بعيد جدا لأن المكلف في هذا المورد لا يستطيع أن يمتثل بالأمرين معا أي: لا يستطيع أن يزيل النجاسة و يصلي في آن واحد، و هذا دليل على أن كلا الأمرين معا غير ممكن وجودهما؛ بل