المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٥ - ٨- المقدمات المفوتة
و لأجل التوفيق بين هاتيك البديهيات العقلية التي يبدو كأنها متعارضة- و إن كان يستحيل التعارض في الأحكام العقلية و بديهيات العقل (١)- حاول جماعة من أعلام الأصوليين المتأخرين تصحيح ذلك بفرض انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب و تقدمه عليه، إما في خصوص الموقتات (٢) أو في مطلق الواجبات (٣)، على اختلاف المسالك.
و بذلك يحصل لهم التوفيق بين تلكم الأحكام العقلية، لأنه حينما يفرض تقدم وجوب ذي المقدمة على زمانه فلا مانع من فرض وجوب المقدمة قبل وقت الواجب، و كان استحقاق العقاب على ترك الواجب على القاعدة لأن وجوبه كان فعليا حين ترك المقدمة.
أما كيف يفرض تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب و بأي مناط؟ فهذا ما اختلفت فيه الأنظار و المحاولات.
فأول المحاولين لحل هذه الشبهة- فيما يبدو- صاحب الفصول، الذي قال بجواز تقدم زمان الوجوب على طريقة (الواجب المعلق) الذي اخترعه كما أشرنا إليه في المجلد الأوّل ص ١٩٨. و ذلك في خصوص الموقتات، بفرض: أن الوقت في الموقتات وقت للواجب فقط لا للوجوب، أي: إن الوقت ليس شرطا و قيدا للوجوب بل هو قيد للواجب. فالوجوب- على هذا الفرض- متقدم على الوقت و لكن الواجب معلق على حضور وقته (٤). و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو: أن التوقف
(١) لأن العقل لا يحكم بنقيض حكمه.
(٢) هذا إشارة إلى قول صاحب الفصول الذي يقول: بأن القيود الزمانية هي القيود للواجب، و أما القيود العامة كالقدرة فإنها راجعة للوجوب.
(٣) إشارة إلى رأي الشّيخ الأنصاري الذي منع من رجوع القيود إلى الهيئة و أرجعها إلى المادة (الواجب).
(٤) و محصل المحاولة التي طرحها صاحب الفصول، حيث اخترع الواجب المعلق فقال: إن الوقت ليس قيدا في الوجوب، و إنّما هو قيد في الواجب (الصوم)، فوجوب الصوم ثابت قبل طلوع الفجر، غاية الأمر: أن الواجب (الصوم) معلق على طلوع الفجر، و قد أجاب عنها القوم: أن هذه المحاولة تقتضي التفكيك بين التحريك و التحرك فنقول: بأن التحريك نحو الواجب ثابت قبل طلوع الفجر، مع إن المكلف لا يستطيع التحرك نحوه، و هذا غير معقول إذ لا يمكن أن يوجد تحريك بلا إمكان التحرك.