المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٣ - تحرير النزاع
الملازمات العقلية غير المستقلة، و لا يصح إدراجها في مباحث الألفاظ.
و إن كانت هذه الملازمة- في نظر القائل بها- ملازمة بينة بالمعنى الأخص، فإثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظية و هي الدلالة الالتزامية خاصة. و الدلالة الالتزامية من الظواهر التي هي حجة.
و لعله لأجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الألفاظ، و جعلوها من مباحث الأوامر بالخصوص. و هم على حق في ذلك إذا كان القائل بالملازمة لا يقول بها إلا لكونها ملازمة بينة بالمعنى الأخص، و لكن الأمر ليس كذلك.
إذا: يمكننا أن نقول: إن هذه المسألة ذات جهتين باختلاف الأقوال فيها: يمكن أن تدخل في مباحث الألفاظ على بعض الأقوال، و يمكن أن تدخل في الملازمات العقلية على البعض الآخر.
و لكن لأجل الجمع بين الجهتين ناسب إدخالها في الملازمات العقلية- كما صنعنا- لأن البحث فيها (١) على كل حال في ثبوت الملازمة (٢)، غاية الأمر: أنه على أحد الأقوال تدخل (٣) صغرى لحجية الظهور (٤) كما تدخل صغرى لحجية العقل (٥).
يخفى: أنه على القول بأن وجوب المقدمة بيّن بالمعنى الأعم، أو غير بين لا دلالة للفظ في ذلك، و إنّما الحاكم هو صرف العقل، و لو سلمنا وجود دلالة اللفظ لكانت هذه الدلالة من نوع دلالة الإشارة التي هي ليست من قسم الظواهر، و مثال ذلك: دلالة الآيتين على أقل الحمل و هما آية وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً، و آية وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، فإنه بطرح الحولين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر فيعرف أنه أقل الحمل. و من هذا الباب: دلالة وجوب الشيء على وجوب مقدمته، لأنّه لازم لوجوب ذي المقدمة باللزوم البين بالمعنى الأعم. و لذلك جعلوا وجوب المقدمة وجوبا تبعيا لا أصليا، لأنّه ليس مدلولا للكلام بالقصد، و إنّما يفهم بالتبع أي: بدلالة الإشارة، فتبقى الملازمة عقلية و ليست لها علاقة باللفظ.
(١) أي: في مقدمة الواجب.
(٢) لأنّ الحاكم بالملازمة هو العقل، غاية ما في الأمر: أنّها على القول بأنّها لازم بين بالمعنى الأخص تدخل في مباحث الألفاظ، بينما على القول بأنّها لازم بيّن بالمعنى الأعم أو غير بيّن تتمحض في المباحث العقلية.
(٣) أي: تدخل الملازمة.
(٤) و مثاله: وجوب ذي المقدمة ظاهر في وجوب المقدمة، و الظاهر حجة فينتج لنا وجوب المقدمة.
هذا على القول بأن اللازم بين بالمعنى الأخص.
(٥) و مثاله: وجوب ذي المقدمة يلزم منه عقلا وجوب المقدمة، و العقل حجة فينتج لنا وجوب المقدمة.