المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٧ - ٦- أدلة الطرفين
(الأوّل): إن الحاكم في قضايا التأديبات العقل العملي، و الحاكم في الأوليات العقل النظري.
(الثّاني): إن القضية التأديبية (١) لا واقع لها إلا تطابق آراء العقلاء و الأوليات لها واقع خارجي.
(الثّالث): إن القضية التأديبية لا يجب أن يحكم بها كل عاقل لو خلي و نفسه و لم يتأدب بقبولها و الاعتراف بها، كما قال الشيخ الرئيس على ما نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثّاني. و ليس كذلك القضية الأولية التي يكفي تصور طرفيها في الحكم، فإنه لا بد ألا يشذ عاقل في الحكم بها لأوّل وهلة.
٢- و من أدلتهم على إنكار الحسن و القبح العقليين أن قالوا: إنه لو كان ذلك عقليا لما اختلف حسن الأشياء و قبحها باختلاف الوجوه و الاعتبارات كالصدق إذ
آخر، و هذا الآخر أيضا موجود، فيلزم أن يكون له وجود ثالث ... و هكذا فيتسلسل إلى غير النهاية، و لأجله أنكر هذا القائل أصالة الوجود فذهب إلى أصالة الماهية.
- و لكن نقول: إن هذا الزعم ناشئ عن الغفلة عن معنى (موجود)- على حد تعبير الشّيخ المظفر- فإنه قد يتضح للفظ موجود معنى آخر أوسع من الأول، و هو المعنى المشترك الذي يشمله و يشمل معنى ثان، و هو ما لا يكون الوجود زائدا عليه بل كونه موجودا هو بعينه كونه وجودا، لا إن له وجودا آخر، و ذلك بأن يكون معنى موجود منتزعا من صميم ذات الوجود لا بإضافة وجود آخر زائد عليه. فإنه يقال- مثلا-: الإنسان موجود و هو صحيح، و لكن بإضافة الوجود إلى الإنسان، و يقال أيضا: الوجود موجود كالإنسان موجود (أي: ما كان موجود في ذاته)، و هو صحيح أيضا، و لكن بنفسه لا بإضافة وجود ثان إليه، و هو أحق بصدق الموجود عليه، كما يقال: الجسم أبيض بإضافة البياض إليه، و يقال:
البياض أبيض، و لكنه بنفسه لا ببياض آخر، و صدق الأبيض عليه أولى من صدقه على الجسم الذي صار أبيض في ذاته بتوسط إضافة البياض إليه.
و على هذا: يكون المشتق منتزعا من نفس الذات المتصفة بدلا من إضافة شيء خارج عنها إليها.
فتكون كلمة أبيض (و كذلك كلمة موجود و نحوها) معناها أعم مما كان منتزعا من اتصاف الذات بالمبدإ الخارج عنها، و مما كان منتزعا من نفس الذات التي هي نفس المبدأ.
فإذا زال الالتباس و اتضح للعقل معنى كلمة (موجود) لا يتردد في صحة حملها على الوجود، بل يراه أولى في صدق الموجود عليه من غيره، كما لم يتردد في صحة حمل الأبيض على البياض. و لا تحتاج مثل هذه القضية و هي (الوجود موجود) إلى البرهان، بل هي من الأوليات، و إن بدت غير واضحة للعقل قبل تصور معنى موجود، و صارت من أدق المباحث الفلسفية و يبتني عليها كثير من مسائل علم الفلسفة الدقيقة.
(١) المقصود من التأديبات هي المشهورات.