المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٨ - ٦- أدلة الطرفين
يكون مرة ممدوحا عليه و أخرى مذموما عليه إذا كان فيه ضرر كبير. و كذلك الكذب بالعكس يكون مذموما عليه و ممدوحا عليه إذا كان فيه نفع كبير. كالضرب و القيام و القعود و نحوها مما يختلف حسنه و قبحه.
و الجواب عن هذا الدليل و أشباهه يظهر مما ذكرناه من حسن الأشياء و قبحها على أنحاء ثلاثة، فما كان ذاتيا لا يقع فيه اختلاف، فإن العدل بما هو عدل لا يكون قبيحا أبدا، و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسنا أبدا، أي: أنه ما دام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح، و ما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم. و أما ما كان عرضيا فإنه يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فمثلا: الصدق إن دخل تحت عنوان العدل كان ممدوحا، و إن دخل تحت عنوان الظلم كان قبيحا. و كذلك الكذب و ما ذكر من الأمثلة.
و الخلاصة: إن العدلية لا يقولون بأن جميع الأشياء لا بد أن تتصف بالحسن أبدا أو القبح أبدا، حتى يلزم ما ذكر من الإشكال.
٣- و قد استدل العدلية على مذهبهم بما خلاصته:
«أنه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان و قبح الظلم عند كل عاقل من غير اعتبار شرع، فإن ذلك يدركه حتى منكر الشرائع».
و أجيب عنه (١): بأن الحسن و القبح في ذلك بمعنى الملاءمة و المنافرة أو بمعنى صفة الكمال و النقص، و هو مسلم لا نزاع فيه. و أما بالمعنى المتنازع فيه (٢) فإنا لا نسلم جزم العقلاء به.
و نحن نقول: إن من يدعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان و قبح الظلم يدعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان و ذمهم لفاعل الظلم. و لا شك في: أن هذا المدح و الذم من العقلاء ضروريان لتواتره عن جميع الناس و منكره مكابر. و الذي يدفع العقلاء لهذا- كما قدمنا- شعورهم بأن العدل كمال للعادل و ملاءمته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه، و شعورهم بنقض الظلم و منافرته لمصلحة النوع الإنسان و بقائه.
٤- و استدل العدلية أيضا: بأن الحسن و القبح لو كانا لا يثبتان إلا من طريق الشرع، فهما لا يثبتان أصلا حتى من طريق الشرع.
(١) جواب الأشاعرة على قول العدلية.
(٢) و هو الحسن و القبح بمعنى: المدح و الذم.