المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٦ - ٦- أدلة الطرفين
واحد حتى يلزم من كون القضية الأولى مما يحكم به العقل ألا يكون فرق بينها و بين القضية الثّانية. و ينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه و بين الأوليات (١)، ليكون أكثر وضوحا بطلان قياس أحدهما على الأخرى. و الفارق من وجوه ثلاثة:
١- الانتباه: و هذا السبب مطرد في جميع البديهيات، فالغافل قد يخفى عليه أوضح الواضحات.
٢- سلامة الحواس: و هذا خاص بالبديهيات المتوقفة على الحواس الخمس، و هي المحسوسات، فإن الأعمى و ضعيف البصر يفقد كثيرا من العلم بالمنظورات، و كذا الأصم في المسموعات و فاقد الذائقة في المذوقات. و هكذا ...
٣- سلامة الذهن: و هذا مطرد أيضا، فإن من كان سقيم الذهن قد يشك في أظهر الأمور أو لا يفهمه. و قد ينشأ هذا القسم من نقصان طبيعي أو مرض عارض أو تربية فاسدة.
٤- فقدان الشبهة: و الشبهة: أن يؤلف الذهن دليلا فاسدا يناقض بديهة من البديهيات و يغفل عما فيه من المغالطة، فيشك بتلك البديهية أو يعتقد بعدمها و هذا يحدث كثيرا في العلوم الفلسفية و الجدليات، فإن من البديهيات عن العقل: أن الوجود و العدم نقيضان و أن النقيضين لا يجتمعان و لا يرتفعان، و لكن بعض المتكلمين دخلت عليه الشبهة في هذه البديهة، فحسب أن الوجود و العدم لهما واسطة و سماها (الحال) فهما يرتفعان عندها. و لكن مستقيم التفكير إذا حدث له ذلك و عجز عن كشف المغالطة يردها و يقول: إنها (شبهة في مقابل البديهة).
٥- عملية غير عقلية: كثير من البديهيات، كالاستماع إلى كثيرين يمتنع تواطؤهم على الكذب في المتواترات، و كالتجربة في التجربيات، و كسعي الإنسان لمشاهدة بلاد أو استماع صوت في المحسوسات ... و ما إلى ذلك. فإذا احتاج الإنسان للعلم بشيء إلى تجربة طويلة و عناء عملي، فلا يجعله ذلك علما نظريا ما دام لا يحتاج إلى الفكر و لا يحتاج إلى عملية عقلية.
(١) حتى يتضح المطلب لا بدّ من إيضاح معنى الأوليات. و قد ذكر في المنطق للشيخ المظفر معنى الأوليات بإيضاح وافي. فالأوليات هي قضايا يصدّق بها العقل لذاتها، (أي: الذي لا يحتاج في إثباتها إلى مقدمات) أي: بدون سبب خارج عن ذاتها، بأن يكون تصور الطرفين مع توجه النفس إلى النسبة بينهما كافيا في الحكم و الجزم بصدق القضية، فكلما وقع للعقل أن يتصور حدود القضية- الطرفين- على حقيقتها وقع له التصديق بها فورا عند ما يكون متوجها لها. و هذا مثل قولنا: «الكل أعظم من الجزء» و «النقيضان لا يجتمعان».
و هذه (الأوليات) منها ما هو جلي عند الجميع إذ يكون تصور الحدود حاصلا لهم جميعا كالمثالين المتقدمين، و منها ما هو خفي عند بعض لوقوع الالتباس في تصور الحدود، و متى ما زال الالتباس بادر العقل إلى الاعتقاد الجازم. و نحن ذاكرون هنا مثالا دقيقا على ذلك مستعينين بنباهة الطالب الذكي على إيضاحه. و هو قولهم: «الوجود موجود» فإن بعض الباحثين اشتبه عليه معنى موجود، إذ يتصور أن معناه: (أنه شيء له الوجود)، فقال: لا يصح الحكم على الوجود بأنه موجود، و إلا لكان للوجود وجود