المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦ - تعريف علم الأصول (١)
جميع الموارد أو عدم الاحتياج و لو في مورد واحد؟ فإن كان المقصود هو الأوّل لزم خروج كثير من المسائل الأصوليّة عن علم الأصول مثل: مسألة أن صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب، و صيغة «لا تفعل» ظاهرة في الحرمة، و الجملة الشرطيّة ظاهرة في المفهوم، و هكذا فيما لو فرض أن صيغة «افعل» أو «لا تفعل» أو الجملة الشرطيّة وردت في روايات ظنيّة الصدور يرويها الثقات، فإن تحصيل الحكم من مثل الروايات المذكورة بحاجة إلى ضم قاعدة أخرى أصولية و هي أن خبر الثقة حجّة، إذ من دون ضم هذه القاعدة لا يمكن الأخذ بالرواية و استنباط الحكم منها.
و إن كان المقصود هو الثاني- أي: أن المراد من عدم الاحتياج هو عدم الاحتياج و لو في مورد واحد- فاللازم من ذلك دخول مسألة ظهور الصعيد في علم الأصول فيما إذا وردت كلمة «الصعيد» في رواية قطعيّة من حيث السند و الدلالة و بقيّة الجهات؛ بحيث لا يكون تحصيل الحكم بحاجة لشيء سوى معرفة معنى كلمة «الصعيد»، بنحو لو عرفنا أن معناها مطلق وجه الأرض مثلا كان الحكم بوجوب التيمم بذلك- أي: بمطلق وجه الأرض- ثابتا بلا حاجة إلى شيء آخر [١].
٢- إن السيّد الخوئي (قدس سره) ذكر: بأنّ حجية الظهور قاعدة مسلّمة و مفروغ عن صحّتها عند جميع العقلاء، فلا تكون مسألة أصوليّة.
أجاب السيّد الصدر (قدس سره) على هذا قائلا: كون المسألة مسلّمة بها و مفروغ عنها و واضحة عند جميع العقلاء لا يصير سببا لعدم كونها أصوليّة [٢].
و من خلال هذا السرد: يتضح: إن كلتا الإجابتين عن الإشكال و الاعتراض الثالث ليست تامة، و عليه:
يكون الإشكال الثالث واردا على التعريف. و من هنا تنشأ الحاجة إلى التفكير للوصول إلى تعريف جامع مانع ليسلم من ورود الإشكال الثالث و أي إشكال، و لذا ذهب السيّد محمد باقر الصدر إلى تعريف جامع مانع و هو أن علم الأصول عبارة عن «العلم بالعناصر المشتركة في استنباط الحكم الشرعي»، و نلاحظ أن المائز بين تعريف السيّد الصدر و تعريف المشهور هو اشتمال تعريفه (قدس سره) على كلمة مشتركة، و إلا فكلمة عناصر نفس كلمة القواعد على حد تعبير الشيخ باقر الإيرواني.
قال السيّد محمود الهاشمي [٣]: و نلاحظ أنّ هذا التعريف يضع للمسألة الأصوليّة عدة خصائص.
الأولى: أن تكون عنصرا مشتركا لا يختصّ بباب دون باب من أبواب الفقه.
و توضيح ذلك: إنّ الأدلة التي يمارسها الفقيه في مجال استنباط الحكم الشرعي تكون على قسمين:
١- ما يكون دليلا خاصا معتمدا في استنتاج حكم فقهي معيّن، من قبيل البحث عن مدلول كلمة (الصعيد) لغة، فإنّه قد يستند إليه الفقيه كدليل على إثبات حكم شرعي في الفقه؛ إلا إنه لا يكون عنصرا مشتركا يستدل به في أبواب فقهية متنوعة.
٢- ما يكون دليلا مشتركا سيالا في مختلف الأبواب الفقهية، كالبحث عن تحديد مدلول صيغة
[١] الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ١.
[٢] مباحث الدليل اللفظي، ج ١.
[٣] مباحث الدليل اللفظي ج ١، ص ٣١.