المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٤ - تعريف علم الأصول (١)
فإذا علم الفقيه من هذا العلم أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، و أن ظهور
و كل ظهور حجّة ... كبرى
إذا: كلمة «الصعيد» ظاهرة في مطلق وجه الأرض ليست أصولية. لأنها لم تقع كبرى في قياس الاستنباط.
و هذه المحاولة منه (قدس سره) و إن وفقت في إخراج جملة من المسائل غير الأصولية التي قد يحتاج إليها الفقيه، كوثاقة الراوي مثلا لكونها لا تقع كبرى قياس الاستنباط. إلا أنه (قدس سره) بأخذ قيد الكبروية في التعريف أخرج الكثير من المسائل الأصولية لعدم وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، و عليه: لا معنى لمقالة الميرزا: إن كل قاعدة وقعت صغرى في دليل الاستنباط فهي ليست أصولية، و للتدليل على صدق هذا القول نذكر ثلاثة أمثلة ذكرها فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني في شرح الحلقة الثالثة (مع التصرف في الأسلوب) و هي ما يلي:
١- في باب التيمم نقول مثلا: صيغة «تيمموا» التي هي مصداق لصيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب صغرى.
و كل ظهور حجة ... كبرى
فإنا نلاحظ الصغرى هي مسألة أصولية.
٢- في كلمة العقود نقول مثلا: كلمة «العقود» الواردة في قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ التي هي جمع محلى بالألف و اللام ظاهرة في العموم.
«العقود» جمع المحلى بالألف و اللام ظاهرة في العموم ... صغرى
و كل ظهور حجة ... كبرى
ففي هذا المثال نرى أن الصغرى هي قاعدة أصولية، حيث أن من جملة القواعد الأصولية أن الجمع المحلى بالألف و اللام ظاهر في العموم.
٣- من جملة المسائل الأصولية: مسألة أن الأمر و النهي هل يمكن اجتماعهما في مورد واحد أو لا؟
فإذا دخل إنسان دارا مغصوبة و حان وقت الصلاة كان أمر أَقِيمُوا الصَّلاةَ يأمره بالصلاة؛ بينما نهي «لا تغصب» ينهاه عن الغصب، فإذا قلنا باستحالة هذا الاجتماع في نظر العقل كانت بين «صلّ» و «لا تغصب» معارضة و تكاذب لامتناع اجتماعهما، و معه فاللازم تطبيق قواعد الدليلين المتعارضين التي هي تقديم الأقوى سندا أو الموافق للكتاب أو المخالف للعامّة و هكذا. فإذا قدّمنا دليل «صلّ» كان الشخص المصلي في الدار المغصوبة ممتثلا بلا عصيان، و لو قدّمنا «لا تغصب» كان عاصيا بلا امتثال.
أما إذا قلنا: بجواز الاجتماع بتقريب أن الأمر متعلق بعنوان الصلاة، و النهي بعنوان الغصب، و عند تعدد العنوان لا استحالة في توجيه التكليفين إلى المكلف، إذا قلنا بهذا لم يتحقق تعارض بينهما بل صح أن نقول: إن مقتضى إطلاق «صلّ» أن الصلاة مطلوبة و لو في الدار المغصوبة، و مقتضى إطلاق «لا تغصب» حرمة الغصب و لو كان متمثلا بالصلاة، فيكون المكلّف عاصيا و ممتثلا في آن واحد.
و بهذا نعرف أن مسألة اجتماع الأمر و النهي مع أنها من أمهات المسائل الأصوليّة لم تقع كبرى في الدليل بل صغرى، حيث نقول: يمتنع اجتماع «صلّ» و «لا تغصب»، و كلما امتنع اجتماعهما تحقق