المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٦ - ٨- تعقيب الاستثناء لجمل متعددة
و اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: ١- ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة، و إن كان رجوعه إلى غير الأخيرة ممكنا، و لكنه يحتاج إلى قرينة عليه.
٢- ظهوره في رجوعه إلى جميع الجمل. و تخصيصها بالأخيرة فقط هو الذي يحتاج إلى الدليل.
٣- عدم ظهوره في واحد منها، و إن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقنا على كل حال. أما ما عدا الأخيرة فتبقى مجملة لوجود ما يصلح للقرينة فلا ينعقد لها ظهور في العموم، فلا تجري أصالة العموم فيها.
٤- التفصيل بين ما إذا كان الموضوع واحدا للجمل المتعاقبة لم يتكرر ذكره، و قد ذكر في صدر الكلام مثل قولك: «أحسن إلى الناس و احترمهم و اقض حوائجهم إلا الفاسقين»، و بين ما إذا كان الموضوع متكررا ذكره (١) لكل جملة كالآية الكريمة المتقدمة، و إن كان الموضوع في المعنى واحدا في الجميع.
فإن كان من قبيل الأوّل فهو ظاهر في رجوعه إلى الجميع؛ لأن الاستثناء إنما هو من الموضوع باعتبار الحكم، و الموضوع لم يذكر إلا في صدر الكلام فقط، فلا بد من رجوع الاستثناء إليه، فيرجع إلى الجميع. و إن كان من قبيل الثّاني، فهو ظاهر في الرجوع إلى الأخيرة (٢)، لأن الموضوع قد ذكر فيها مستقلا فقد أخذ الاستثناء
الوارد في الآية الكريمة، إما راجع للجملة الأخيرة و هو: أُولئِكَ، أو راجع إلى مجموع الجملتين، و هما «أولئك و الحكم بالجلد و عدم قبول الشهادة».
فإذا كان الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة فقط يصير المعنى: إن الذين يرمون المحصنات إذا تابوا لا تحكموا بفسقهم، و أما الجلد و عدم قبول الشهادة فهما ثابتان. و أما إذا كان الاستثناء راجعا إلى مجموع الجملتين يصير المعنى ما يلي: إن الذين يرمون المحصنات إذا تابوا لا تحكموا بفسقهم، و لا بعدم قبول شهادتهم، و بعدم جلدهم.
(١) أي: متكررا في اللفظ فإن الآية قد تكرر فيها الموضوع فإن الموضوع الأوّل هو قوله: الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، و الموضوع الثّاني هو أُولئِكَ، إذا: الموضوع تكرر ذكره في اللفظ، و إن كان معناه واحد و هو أن أُولئِكَ هو نفس الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ. بخلاف المثال الذي ذكره المصنّف «أحسن إلى النّاس، و احترمهم، و اقض حوائجهم إلا الفاسقين». فإن الموضوع واحد لفظا و معنى.
(٢) و هي: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.