المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥٠ - *** الثّالث- مفهوم الغاية (٢)
معناه: أن الأنبياء ماتوا أيضا. بل (حتى العاطفة) تفيد أن الغاية هو الفرد الفائق على سائر أفراد المغيى في القوة (١) أو الضعف (٢)، فكيف يتصور ألا يكون المعطوف بها داخلا في الحكم، بل قد يكون هو الأسبق في الحكم نحو: مات كل أب حتى آدم.
(الجهة الثّانية): في مفهوم الغاية، و هي موضوع البحث هنا، فإنه قد اختلفوا في أن التقييد بالغاية- مع قطع النظر عن القرائن الخاصة- هل يدل على انتفاء سنخ الحكم عما وراء الغاية و من الغاية نفسها أيضا إذا لم تكن داخلة في المغيى، أو لا؟
فنقول: إن المدرك في دلالة الغاية على المفهوم كالمدرك في الشرط و الوصف، فإذا كانت قيدا للحكم كانت ظاهرة في انتفاء الحكم فيما وراءها، و أما إذا كانت قيدا للموضوع أو المحمول فقط فلا دلالة لها على المفهوم (٣).
و عليه: فما علم في التقييد بالغاية أنه راجع إلى الحكم فلا إشكال في ظهوره في المفهوم مثل قوله: (عليه السلام): «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه نجس» و كذلك مثال: كل شيء حلال.
و إن لم يعلم ذلك من القرائن فلا يبعد القول بظهور الغاية في رجوعها إلى الحكم، و أنها غاية للنسبة الواقعة قبلها (٤)، و كونها غاية لنفس الموضوع أو نفس
(١) و مثاله: «مات النّاس حتى الأنبياء» هذا بيان للفرد الفائق في القوة.
(٢) و مثاله: «كل شيء مخلوق لله حتى النمل»، و هذا بيان للفرد الأضعف.
(٣) لأن ذلك يفيد تحديد موضوع الحكم مثل: «صم إلى الليل» أي: ثبوت الصوم إلى حده الأعلى و هو الليل، و هذا لا يعني عدم ثبوت الصوم لشخص آخر لموضوع آخر إلى الغروب.
و مثاله آخر: قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ، فإن المرافق (الغاية) راجع إلى أيديكم و هو موضوع الحكم.
أي: أن غسل اليد ينتهي إلى المرافق، لا إن الوجوب (الوضوء) ينتهي إلى المرافق، و إنّما الوجوب ينتهي مثلا من حين طلوع الشمس في صلاة الصبح؛ إذا: الغسل إلى المرافق ليس غاية للحكم بل هو غاية لليد الذي هو موضوع الحكم، و متعلق الحكم هو الغسل.
و مثال على القيد الرّاجع على المحمول، مثلا: لو قلنا: «الواجب الصوم إلى الليل» فإن «إلى الليل» غاية إلى الصوم الذي هو المحمول، و هذا من باب تحديد الموضوع أي: الصيام ثابت إلى الغروب، و هذا لا يعني عدم ثبوته لموضوع آخر في مورد آخر.
و هذا من قبيل الوصف في أكرم الفقير العادل، فإن الوصف جاء لتحديد الموضوع، و هو أن الفقير المقيد بالعدالة موضوع للوجوب، و هذا لا ينافي ثبوت الإكرام لموضوع آخر.
(٤) لأن الحكم مفاد للهيئة الذي يكون مفادها معنى حرفيا أي: النسبة.