المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥٢ - معنى الحصر
الحصر له معنيان: ١- القصر بالاصطلاح المعروف عند علماء البلاغة، سواء كان من نوع قصر الصفة على الموصوف، نحو: «لا سيف إلا ذو الفقار (١) و لا فتى إلا عليّ»، أم من نوع قصر الموصوف على الصفة، نحو: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ.
يفهم من ذلك إن غير زيد ليس بعالم؟ و الجواب يرتبط بملاحظة الركنين السابقين، فإن كانا متوفرين ثبت المفهوم و إلا فلا. و الصحيح توفرهما.
- و أما الركن الأوّل:- و هو دلالة الجملة على التوقف- فلأن الحصر يستبطن التوقف، فإن مرجع حصر العالمية في زيد إلى أن العالمية يتوقف تحققها على زيد.
- و أما الركن الثّاني:- و هو كون المحصور طبيعي الحكم لا شخصه- فلأنه بعد أن سلمنا دلالة الجملة المذكورة على الحصر فلا بدّ و أن يكون المحصور هو الطبيعي، إذ شخص الحكم محصور بموضوعه دائما و أبدا بلا حاجة إلى حصر، فإن شخص الحكم عبارة عن عالمية زيد، و من الواضح: أن عالمية زيد منحصرة بزيد و لا يمكن أن تتعداه حتى و لو لم تستعمل أداة الحصر، فاستعمال أداة الحصر إذا لا بدّ و أن يكون الغرض منه حصر طبيعي العالمية في زيد، و ما دام مطلق العالمية و طبيعيّها منحصر في زيد فلا بدّ و أن لا يكون غير زيد متصفا بالعالمية و هو معنى المفهوم. و لعله من هذه الناحية لم يقع نزاع بين الأصوليين. أجل هناك نزاع جانبي في تحديد بعض أدوات الحصر» [١] و نذكر لأدوات الحصر مثالين:
١- كلمة «إنما» و قد وقع النزاع في إنها تدل على الحصر أو لا.
- قال صاحب الكفاية في كفايته: «و مما يدل على الحصر و الاختصاص «إنما»، و ذلك لتصريح أهل اللغة بإفادتها للحصر، و كذا ذكر علماء المعاني و البيان أنه يفيد القصر، قال في المطول و في مختصر المعاني: «و منها- أي: و من طرق القصر- «إنما» إنما زيد كاتب، أو إنما زيد قائم ... هذا الوجه الأول على دلالة «إنما» على الحصر عند أهل اللغة.
- الوجه الثاني: التبادر فإن المتبادر إلى أذهان أهل العرب عند ما يسمعون «إنما» هو الحصر، و هذا يكفي لإثبات الوضع. و من المعلوم: أن كلا من تنصيص الواضع و التبادر دليل على الوضع. و قد وردت كلمة «إنما» في القرآن كثيرا منها: كقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ و إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ تدل على الحصر و نفي استحقاق الصدقات عن غير الفقراء، و إن مستحقيها هم الفقراء فقط، دون غيرهم. و كذا الخمر و الميسر و الأنصاب، فإنها من عمل الشيطان دون غيره [٢].
(١) أي: حصول معنى السّيفية مقصور على ذي الفقار.
[١] راجع: الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ١، ص ٤٨٠.
[٢] المصادر:
١- راجع: منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٣، ص ٤٣٦ (بتصرف).
٢- راجع: الحلقة الثالثة، ج ١، ص ١٨١.