المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٠٣ - ٤- التخييري و التعييني
و لا تكون الزيادة واجبة (١) فلا يكون من باب الواجب التخييري، بل الزيادة لا بد أن تحمل على الاستحباب (٢).
(١) لأنّه لا يعقل ترك الواجب لا إلى بدل، فإذا التزمنا بالتخيير بين التسبيحة و الثّلاث سوف يلزم جواز ترك التسبيحتين لا إلى بدل، فلا يعقل أن تكونا واجبتين لأنّ لا شيء من الواجب يجوز تركه لا إلى بدل.
(٢) قال صاحب الكفاية في كفايته: هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الأقل و الأكثر أو لا؟ ربما يقال: بأنه محال فإن الأقل إذا وجد كان هو الواجب لا محالة و لو كان في ضمن الأكثر، لحصول الغرض به، و كان الزائد على الأقل من أجزاء الأكثر زائد على الواجب. ثم عقب الشّيخ الآخوند «... لكنه ليس كذلك».
- و بعبارة أخرى: تقريب وجه الاستحالة، و حاصله: أن الأقل يوجد لا محالة قبل وجود الأكثر، و لوفائه بالغرض ينطبق عليه الواجب، و يسقط به الأمر، فلا يكون الزائد على الأقل من أجزاء الواجب، فلا يتصف الأكثر بالوجوب أصلا، مع أنّ قضيّة الوجوب التخييري بين الأقل و الأكثر هي اتصاف الأكثر بالوجوب أيضا.
و الجواب على هذا الإشكال: يتبين في توضيح كلام صاحب الكفاية في بيان عدم استحالة التخيير بين الأقل و الأكثر. و توضيح كلامه (قدس سره) ما يلي:
مغايرة الأقل للأكثر لكون الأكثر مشروطا بشيء- و هو الزيادة- و الأقل مشروطا بعدمها، فيرجع التخيير بينهما إلى التخيير بين المتباينين، لتباين الماهية بشرط لا للماهية بشرط شيء، فلا يمتنع التخيير بين الأقل و الأكثر. و تخصيص الأقلّ بالوجوب حينئذ بلا وجه صحيح لأن المفروض: وفاء كلّ من الأقلّ و الأكثر بالغرض.
و قد يرد إشكال على هذا الجواب: بأنه إخراج موضوعي خارج عن محل البحث، و مع ذلك لا يجدي، لأن التباين الناشئ عن جعل شيء بشرط لا و بشرط شيء عقلي، لا خارجي، و لا يرتفع الإشكال إلا بالتباين الخارجي.
و إن مورد حمل الأمر بالأكثر على الاستحباب إنّما هو فيما إذا كان الأقل بنفسه فردا للطبيعة، حيث أنّ الأمر بالأكثر لو لم يحمل على الندب لزم أن يكون لغوا، لأن التسبيحة الواحدة بنفسها فرد لطبيعة التسبيحة، و وافية بالغرض المترتب على صرف الوجود من الطبيعة الذي هو المطلوب، فيسقط أمرها الوجوبي، فلا محيص حينئذ عن حمل الأمر بالزائد عليها على الاستحباب.
و أمّا إذا لم يكن الأقل بذاته مصداقا للطبيعة، بأن كانت فرديّته لها منوطة بمئونة زائدة، كتوقّف فرديّة الركعتين الأوليين لطبيعة الصلاة المأمور بها على التسليم في الثانية، فيصح حينئذ أن يقال بالتخيير بين الأقل و الأكثر، فإن أتى بالتسليم سقط الأمر الوجوبي، لوجود الأقل المنطبق عليه الواجب، و لا مجال لاستحباب الأكثر حينئذ إلا مع نهوض دليل خاص عليه. و إن لم يأت به، فالواجب تعيينا هو الأكثر [١].
[١] راجع: منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٢، ص ٥٥٤- ٥٥٧. (جمعا بين المتن و الشرح).