المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٧ - ٧- الفور و التراخي (٢)
على أحدهما بوجه من الوجوه. و إنما يستفاد أحدهما من القرائن الخارجية التي تختلف باختلاف المقامات.
و الحق: هو الأخير (١)، و الدليل عليه: ما عرفت من أن صيغة افعل إنما تدل على النسبة الطلبية، كما أن المادة لم توضع إلّا لنفس الحدث غير الملحوظ معه شيء من خصوصياته الوجودية (٢). و عليه، فلا دلالة لها- لا بهيئتها و لا بمادتها- على الفور أو التراخي، بل لا بد من دال آخر على شيء منهما، فإن تجردت عن الدال الآخر:
فإن ذلك يقتضي جواز الإتيان بالمأمور به على الفور أو التراخي (٣).
هذا بالنظر إلى نفس الصيغة، أما بالنظر إلى الدليل الخارجي المنفصل: فقد قيل:
بوجود الدليل على الفور في جميع الواجبات على نحو العموم؛ إلّا ما دل عليه دليل خاص ينص على جواز التراخي فيه بالخصوص. و قد ذكروا لذلك آيتين:
(الأولى): قوله تعالى في سورة آل عمران: ١٣٣: وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. و تقريب الاستدلال بها: إن المسارعة إلى المغفرة لا تكون إلّا بالمسارعة إلى سببها، و هو الإتيان بالمأمور به، لأن المغفرة فعل الله تعالى فلا معنى لمسارعة العبد إليها. و عليه: فيكون الإسراع إلى فعل المأمور به واجبا لما مر من ظهور صيغة افعل في الوجوب.
(الثانية): قوله تعالى في سورة البقرة: ١٤٨، و المائدة ٤٨: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، فإن الاستباق بالخيرات عبارة أخرى عن الإتيان بها فورا.
(١) هذا ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس سره) و غيره من العلماء.
(٢) كحدث الصوم في قولك: «صم»، و بعبارة أخرى: إن قولك «صم» فيه هيئة، و مادة الهيئة تدل على طلب الصوم، و المادة تدل على نفس حدث الصوم، لا أنّها تدل على حدث الصوم مقيدا بقيود زائدة كقيد التراخي أو الفورية، و عليه: فإطلاق الصيغة لا يقتضي أحدهما. و بعبارة أخرى: أن صيغة الأمر مركبة من هيئة و مادة، و الهيئة تدل على النسبة الطلبية و المادة تدل على طبيعي الحدث لا بشرط.
فأين الدال على الفور أو التراخي؟
(٣) يذكر صاحب الكفاية دليلا على عدم دلالة الصيغة على شيء منها: تبادر طلب إيجاد الطبيعة من الصيغة بمعنى: أن تبادر مطلوبية نفس الطبيعة من الصيغة من دون تقيدها بالفور أو التراخي يدل على عدم دخل شيء منهما في معنى الصيغة، و إلا لكان متبادرا أيضا، فالتقييد بأحدهما منوط بدليل خارجي.