المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٩ - ٨- المرة و التكرار (١)
في الفور و التراخي. و المختار هنا كالمختار هناك، و الدليل نفس الدليل من عدم دلالة الصيغة لا بهيئتها و لا بمادتها على المرة و لا التكرار، لما عرفت من إنها لا تدل على أكثر من طلب نفس الطبيعة من حيث هي (١)، فلا بد من دال آخر على كل منهما.
أما الإطلاق: فإنه يقتضي الاكتفاء بالمرة. و تفصيل ذلك:
إن مطلوب المولى لا يخلو من أحد وجوه ثلاثة، (و يختلف الحكم فيها من ناحية جواز الاكتفاء و جواز التكرار):
١- أن يكون المطلوب صرف وجود الشيء بلا قيد و لا شرط، بمعنى: أنه يريد ألا يبقى مطلوبه معدوما، بل يخرج من ظلمة العدم إلى نور الوجود لا أكثر، و لو
النحوين الآخرين يحتاجان في مقام إثباتهما إلى مئونة بيان زائدة، فإن دل الدليل عليهما فبها، و إلا كان مقتضى إطلاق الصيغة هو النحو الأوّل، أي: كون المطلوب هو الماهية لا بشرط، و هذا معناه كفاية المرة الواحدة في مقام الامتثال.
(المرة و التكرار لهما معنيان: (الأوّل): الدفعة و الدفعات، (الثّاني): الفرد و الأفراد، و الظّاهر أن المراد منهما في محل النزاع: هو المعنى الأوّل. و الفرق بينهما: أن الدفعة قد تتحقق بفرد واحد من الطبيعة المطلوبة، و قد تتحقق بأفراد متعددة إذا جيء بها في زمان واحد. فلذلك تكون الدفعة أعم من الفرد مطلقا، كما أن الأفراد أعم مطلقا من الدفعات، لأن الأفراد- كما قلنا- قد تحصل دفعة واحدة و قد تحصل بدفعات). (المصنّف).
(١) و الدليل على عدم دلالة الصيغة على المرة و التكرار: هو التبادر، فإن المتبادر، و المنصرف من صيغة الأمر ليس إلا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها، فلا دلالة لصيغة على المرة و التكرار لا بهيئتها و لا بمادتها.
ثم ذكر صاحب الكفاية في مقام رده على توهم قد توهمه بعض قائلا: قد يتوهم متوهم: أن الاكتفاء بالمرة في مقام الإطاعة كاشف عن دلالة الصيغة على المرة.
يرد صاحب الكفاية في كفايته على هذا الوهم قائلا: إن الاكتفاء بالمرة إنما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة كما لا يخفى.
- و بعبارة أخرى: «إن الاكتفاء بالمرة في تحقق الامتثال ليس لأجل دلالة الصيغة عليها، بل لحكم العقل، حيث أنّ انطباق الطبيعي على فرده قهري، فيوجد الطبيعي المأمور به بفرده جزما، فيحكم العقل بالإجزاء لأن المطلوب إيجاد الطبيعة الواقعة في حيز الطلب، و قد حصل ذلك بأول وجودها، لانطباق المأمور به عليه قهرا، فلا بدّ حينئذ من الالتزام بالإجزاء، و إلا فلا يحصل الإجزاء بسائر الأفراد أيضا، لاتحاد حكم الامتثال فيما يجوز و ما لا يجوز» [١].
[١] منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ١، ص ٥٠٠.