المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧٢ - تمهيد
و كونها قربية إنما هو بإتيانها بقصد امتثال أوامرها أو بغيره من وجوه قصد القربة إلى الله تعالى، على ما ستأتي الإشارة إليها. و تسمى هذه الواجبات (العباديات) أو (التعبديات) كالصلاة و الصوم و نحوها.
و الكلام يقع في تحليل الفرق بين القسمين، فهل الاختلاف بينهما يرجع إلى عالم الحكم و الجعل و الوجوب، بمعنى: أن قصد القربة و الامتثال يكون مأخوذا قيدا، أو جزء في متعلق الوجوب التعبدي، و المراد من متعلق الأمر و الوجوب في مثال: «أقيموا الصلاة» هي الصلاة، فمتعلق الأمر ما ينصب عليه الوجوب و هنا انصب الوجوب على «الصلاة» مع قصد القربة، فقصد القربة يكون مأخوذا في متعلق الأمر، و أما التوصلي فهو الذي لم يؤخذ قصد الامتثال فيه.
أو أن الفرق بينهما يرجع إلى عالم الملاك دون عالم الحكم، بمعنى: إنه لا يوجد فرق بينهما في متعلق كل منهما أي: أن كل منهما ينصبان على ذات الفعل «ذات الصلاة» من دون قصد القربة و الامتثال، و إنما الفرق بينهما من حيث الغرض و الملاك فإن الغرض في الواجب التعبدي لا يحصل إلا إذا قصدت القربة بالفعل، و أما الغرض في الواجب التوصلي يحصل من دون قصد القربة بالفعل، إذا: إن مرد الاختلاف إلى عالم الملاك و الغرض دون عالم الحكم بمعنى: أن الوجوب في كل من القسمين متعلق بذات الفعل و لكنه في القسم الأوّل في الواجب التعبدي ناشئ عن ملاك لا يستوفى إلا بضم قصد القربة، و في القسم الثاني ناشئ عن ملاك يستوفى بمجرد الإتيان بالفعل.
و منشأ هذا الكلام: هو احتمال استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، فإن ثبتت هذه الاستحالة تعين تفسير الاختلاف بين التعبدي و التوصلي بالوجه الثاني؛ و إلا تعين تفسيره بالوجه الأول.
- ذهب صاحب الكفاية في كفايته: إلى أن التفرقة بين التوصلي و التعبدي راجعة إلى عالم الملاك و الغرض دون عالم الحكم؛ لاستحالة أخذ قصد القربة و الامتثال في متعلق الأمر بأن يقول: تجب عليك الصلاة بقصد الامتثال. لما ذا؟ و من هنا يتجه البحث إلى تحقيق حال هذه الاستحالة و قد برهن عليها بوجوه:
الأوّل: ذكر الآخوند الخرساني صاحب الكفاية: أن قصد امتثال الأمر متأخر رتبة عن الأمر لما ذا متأخر؟ لأنه إذا لم يوجد أمر لا أستطيع أن أقصد امتثال الأمر إذا: أولا يكون هناك أمر ثم يتم قصد امتثاله فلو أخذ قصد الامتثال قيدا، أو جزء في متعلق الأمر و الوجوب لكان قصد الامتثال داخلا في معروض الأمر ضمنا، (يعني: كان في ضمنه و كان جزء من متعلق الأمر)، و متقدما على الأمر تقدم المعروض على عارضه، فيلزم كون الشيء الواحد متقدما و متأخرا [١].
و بعبارة أخرى: ذكر الآخوند و جماعة لزوم صيرورة قصد الامتثال متقدما و متأخرا في آن واحد، و هو مستحيل كما هو واضح. و الوجه في لزوم ذلك: أن قصد امتثال الأمر متأخر عن وجود الأمر، إذ لا بدّ
[١] دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، ج ١، ص ٣٥٩- ٣٦٠ (بتصرف).