المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٢ - ١٤- الحقيقة الشرعية (١)
و الفائدة من هذا النزاع تظهر في الألفاظ الواردة في كلام الشارع مجردة عن القرينة سواء كانت في القرآن الكريم أم السنة. فعلى القول الأول: يجب حملها على المعاني الشرعية، و على الثاني: تحمل على المعاني اللغوية، أو يتوقف فيها فلا تحمل على المعاني الشرعية و لا على اللغوية، بناء على رأي من يذهب إلى التوقف فيما إذا دار الأمر بين المعنى الحقيقي و بين المجاز المشهور، إذ من المعلوم: أنه إذا لم تثبت الحقيقة الشرعية فهذه المعاني المستحدثة تكون- على الأقل- مجازا مشهورا في زمانه (صلى الله عليه و آله).
و التحقيق في المسألة أن يقال: إن نقل تلك الألفاظ إلى المعاني المستحدثة إما بالوضع التعييني أو التعيني.
أما (الأول): فهو مقطوع العدم لأنه لو كان لنقل إلينا بالتواتر أو بالآحاد على الأقل، لعدم الداعي إلى الإخفاء، بل الدواعي متظافرة على نقله، مع إنه لم ينقل ذلك أبدا.
و أما (الثاني): فهو مما لا ريب فيه بالنسبة إلى زمان إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن اللفظ إذا استعمل في معنى خاص في لسان جماعة كثيرة زمانا معتدا
المعنى اللغوي و هو الدعاء، و إذا كان بعده حملناها على المعنى الشرعي المستحدث و هو الأركان المخصوصة. و لكن إذا لم نعلم تاريخ الاستعمال أي: متى استعمل (صلى الله عليه و آله) اللفظة هل بعد دخوله المدينة المنوّرة أم قبل دخوله إياها؟ فهنا يشكل أمر اللفظة كالصلاة المجرّدة من القرائن. قد يقال:
لما ذا يشكل أمرها؟ فهناك عندنا دليل يثبت تأخر الاستعمال عن الوضع. و به نتمكن من حمل الصلاة على معانيها الشرعية لا اللغوية، و ذلك الدليل هو أصالة تأخر الاستعمال عن الوضع، فعند الشّك في أنه متى استعمل النبي محمّد (صلى الله عليه و آله) اللفظة هل قبل تاريخ الوضع و هو دخول المدينة مثلا أم قبله؟ فبواسطة الأصالة تثبت تأخر الاستعمال عن الوضع.
و بالجملة: نقول: ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني، و الدليل على ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني: هو التبادر أي: تبادر المعاني الشرعية من الألفاظ المتداولة في لسان النبي (صلى الله عليه و آله)، و هذا خير دليل على ثبوتها. و مثاله: إذا سمعنا حديثا من النبي (صلى الله عليه و آله) في قوله مثلا: «الصلاة قربان كل مؤمن و مؤمنة» يتبادر ذهننا مباشرة من لفظ الصلاة إلى معنى الصلاة المتداولة، و هذا دليل على أنها موضوعة في زمان النبي (صلى الله عليه و آله)، أي: هذا دليل على أن النبي (صلى الله عليه و آله) وضع كلمة الصلاة للمعنى الجديد، و إلا لما كان هناك تبادر، هذا و كذلك تحقق ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيني كما هو واضح.