المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٠ - ١٤- الحقيقة الشرعية (١)
و الصوم و نحوهما معاني خاصة شرعية، و نجزم بأن هذه المعاني حادثة لم يكن يعرفها أهل اللغة العربية قبل الإسلام، و إنما نقلت تلك الألفاظ من معانيها اللغوية إلى هذه المعاني الشرعية.
وجود دليل عقلي، أو نقلي يلزم انحصار الاستعمال في ذلك، فيمكن أن يكون من باب الاستعمال غير المجازي لعدم العلاقة المطلوبة، و غير الحقيقي لأنه استعمال في غير ما وضع له اللفظ كما هو واضح، فهو استعمال قام بالطبع و اقتضاه الطبع من دون الوضع.
أدلة ثبوت الحقيقة الشرعية: يدل على ثبوت الحقيقة الشرعية أمران:
الأوّل: التبادر. و ذلك أنه إذا وردت مفردة من مفردات ألفاظ العبادات في حديث نبوي مثلا، يتبادر إلينا المعنى الشرعي. و هذا دليل على ثبوتها.
الثّاني: لزوم محذور لو لم نقل بثبوتها، و ذلك إذا وردت كلمة «صلاة» مثلا في استعمالات الشارع، فإذا لم نقل بالحقيقة الشرعية، و إن هذا الاستعمال حقيقي، فلا بدّ أن نقول إن هذا الاستعمال- أي:
استعمال «صلاة» مثلا في الأركان المخصوصة- كان مجازيا، و هذا غير صحيح لما ذا؟ لعدم تواجد العلاقة بين هذا المعنى المجازي و هو الأركان المخصوصة، و بين المعنى اللغوي و هو «الدعاء». قد يقال:
لما ذا لا توجد علاقة المجاز، أ ليس بين الصلاة المتعارفة و الدعاء علاقة الكل و الجزء؟ نقول: صحيح هي موجودة، و لكن ليس كل علاقة مصححة للاستعمال، بل يشترط فيها أن يكون الجزء جزء أساسيا من الكل، كالرقبة في الإنسان عند ما نقول: «أعتق رقبة»، و لا يمكن أن نقول: «أعتق» و نريد به الإنسان، فكذلك الدعاء ليس جزء أساسيا من الصلاة لاستحبابه و إمكان تركه. فإذا لم يمكن الاستعمال المجازي، فلا بدّ من القول بأن الشارع (صلى الله عليه و آله) قد وضع و استعمل الصلاة في المعنى الجديد الشرعي و هو «الأركان المخصوصة».
ملاحظة: في البحث السابق، و هو أن إثبات الحقيقية الشرعية بالوجهين السابقين مبني على القول بأن ألفاظ العبادات مستحدثة في زمن الشارع (صلى الله عليه و آله)، و إنها لم تكن موجودة في الملل و الأديان السابقة، و أما بناء على كون هذه الألفاظ غير مستحدثة، و وجود هذه الألفاظ في استعمالات الأديان السابقة كما على ذلك بعض الآيات الشريفة كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، و قوله: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ، و قوله تعالى: وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا، فحينئذ: لا معنى للقول بثبوت الحقيقة الشرعية، بل هذه الألفاظ «صلاة، صوم، حج، زكاة ...» الخ مستعملة في المعاني الشرعية في ما قبل زمان الشارع، فهي إذا: حقائق لغوية لا شرعية، و ذلك إن الشارع (صلى الله عليه و آله) لم يضعها، بل استعملها فيما استعملته فيه الأمم السابقة.
قد يقال: إن هذه الألفاظ و إن كانت موجودة في استعمالات الملل السابقة إلا أننا نستبعد اتحاد المعنى الذي استعملوه هم فيه و المعنى الذي استعمله الشارع (صلى الله عليه و آله) فيه، لأننا نرى صلاة اليهود